اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

 عمان اليوم -

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

كشفتِ الصّيغةُ الأوليَّةُ المسرَّبَةُ للاتفاق الإيراني - الأميركي، رغم كل التفاؤل الذي يحيطها، أنَّ الحربَ المكلفةَ والقاسية على العالم من قبل الطَّرفين لم تنتهِ إلى حالة حسم سياسي واضح، بل إلى ما يمكنُ وصفه بالهدنةِ «المركّبة» الهشة. ومرجع هذا التركيب في نظري يعود إلى أنَّ كلَّ طرف يقرأ التفاصيل بشكل مختلف بعيداً عن معضلة «النصر» الخطابية، التي لا تهم الآن كما هو الحال مع النقاش والجدل حول دوافع الحرب ومبتدئها، فاليوم هو يوم التفاصيل وحالة المابعد التي يجب أن تساهمَ فيها دولُ المنطقة، خصوصاً التي تعرضت للاعتداء الإيراني، وتصدت له بعقلانيتها وعدم التصعيد.

الولايات المتحدة تصف الاتفاقَ بالصفقة الرابحة لحملة عسكرية أنهكت إيران، وفرضت عليها العودة إلى التعهد بعدم امتلاك سلاح نووي، وفتحت الطريقَ أمام إعادة فتح مضيق هرمز، بينما تنظر طهرانُ إليه، وفق الرواية التي نشرتها وكالتا «مهر» و«تسنيم»، على أنَّه انتصارٌ تاريخي لأنَّه اعترافٌ ببقاء النظام ثم الالتزام برفع تدريجي للعقوبات، واستعادة الأصول المجمدة.

وإلى أن تتَّضح الصورة نحن الآن أمام اتفاقين متباينين تراه واشنطن ضبطاً لسلوك إيران وتراه طهران تثبيتاً لوضع جديد في المنطقة ولمكاسب ما بعد الحرب، وهو الأمر الذي أيضاً فهمه حتى الإيرانيون الأميركيون ممن كانوا معارضين للنظام، لكن الحرب صنعت منهم قوميين ضد الحرب، وعلى رأسهم ولي نصر في مقالة مطوّلة حول استراتيجية إيران الكبرى الجديدة.

هذا التباين ليس أمراً عابراً، فمذكرة التفاهم المكونة، بحسب الرواية الإيرانية، من 14 بنداً، لا تتحدث فقط عن وقف فوري ودائم للأعمال العدائية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، بل تشير أيضاً إلى الإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة خلال فترة تفاوض لستين يوماً، مع إتاحة نصفِ هذه الأموال حتى قبل بدء المحادثات. كما تتضمَّن، بحسب التسريبات الإيرانية، تعليق العقوبات على مبيعات النفط، وخطة إعادة إعمار بحدود 300 مليار دولار، والتزاماً أميركياً بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وهذه تفاصيل لا يمكن أن تكون مجرد هوامش في متن التموضع الإيراني ما بعد الحرب.

من جهتها تركز واشنطن، على الأقل في الخطاب السياسي بعيداً عن «شعبوية الانتصار»، على عدم امتلاك إيران لسلاح نووي والالتزامات بالتفاوض على مصير المواد النووية المخصبة، وهو الأمر الذي لا تتحدث عنه إيران إلا بعد تنفيذ كل الالتزامات وعلى رأسها رفع الحصار البحري.

هل فترة الستين يوماً كافية لحسم كل هذه الأسئلة وإنتاج اتفاق ناضج وفعال يراعي الصورة الكلية للمنطقة وملفاتها المتداخلة والمتشابكة؟ ربما هي بداية، لكن الأكيد أنَّ ملفات ما بعد الاتفاق ستكون معقدة وثمة أسئلة حاسمة يجب أن تناقش بوضوح عن المخزون وحدود التخصيب ودور وكالة الطاقة الذرية، وكيف سيتم ربط العقوبات بالامتثال، وما هي ضمانات جميع الأطراف، والأهم الضمانات لدول المنطقة حفظاً للاستقرار والأمن.

معضلة الاتفاق، رغم التفاؤل الحذر من جميع الدول، أن يتحول إلى ورقة ضغط لقبول اتفاق هش لأسباب ظرفية مؤقتة، تتصل بأسعار النفط والحاجة إلى إعلان انتصار سريع لأسباب سياسية داخلية، صحيح أنَّ استقرار الأسواق مهم لكنَّه ليس سبباً كافياً مع الحسابات الانتخابية لأن يتحول إلى إطار يقرر مصيرَ منطقة بأكملها لعقود مقبلة.

مضيق هرمز هو بوابة أي حل مستدام، فهو أهم ممرات الطاقة والاقتصاد العالمي، والعقلانية التي تعاملت بها الدول الخليجية وفي مقدمتها السعودية مع الأزمة، تنطلق من حرصها على ضبط التصعيد، وحماية الممرات والتوازنات السياسية الصعبة، وهذه العقلانية هي التي ساهمت في تسهيل وخلق هذه الهدنة، ويجب أن تكون الدول المعنية بأي اتفاق من شأنه تقرير مصير العقود القادمة.

إسرائيل الحلقة الأضعف، لذلك تحرص على خرق الاتفاق، ومع ما يقال من أنَّ الحرب وسَّعت الفجوة بين ترمب ونتنياهو، وأنَّ ثمة مراجعاتٍ كبرى حيال التحالف الأميركي - الإسرائيلي، كما كتب المحلل جوشوا ليفر يوم أمس في «فورن بوليسي»، وهو مؤلف الكتاب المهم «الألواح المحطمة... نهاية قرن يهودي أميركي ومستقبل الحياة اليهودية». لكن كل هذا هو أقربُ إلى مربع الضغط السياسي، منه إلى تحول استراتيجي عميق.

الخلاصة: لم يعدِ السؤالُ اليومَ عن دافع الحرب وأخطائها، رغم غرابتها في كل شيء، بل هو سؤال اليوم التالي وتحديداً: هل يمنح الاتفاق هذه المنطقةَ الملتهبة والعالمَ المنهك من جرائها، فرصةً للتعايش والسلام والتنمية والخروج من حافة اللايقين الذي ظلَّت عليه منذ عقود؟

omantoday

GMT 21:45 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 21:44 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترمب المنتصر والمنكسر!

GMT 21:42 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 21:41 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 21:39 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 21:35 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

GMT 21:33 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

مصر وليبيا... أخوَّة ضاربة في التاريخ

GMT 21:31 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

منفيون تحت التراب

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - عُمان اليوم

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon