هل أصبح النفوذ الإيراني عبئاً عليها

هل أصبح النفوذ الإيراني عبئاً عليها؟

هل أصبح النفوذ الإيراني عبئاً عليها؟

 عمان اليوم -

هل أصبح النفوذ الإيراني عبئاً عليها

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

كيف يمكن أن نفهمَ التَّطويلَ والتأخيرَ والتعديلَ على الوثيقة التي يُقال إنَّه تمَّ إنجاز كثير منها والمسماة «ورقة التفاهم الإيرانية-الأميركية»؟ فكثيراً ما يُنظر إلى المفاوضات السياسية باعتبارها عملية تبادل مطالب وتنازلات بين طرفين متقابلين. إلا أن التجارب التاريخية تكشف عن أنَّ الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فغالباً ما تتحوَّل طاولة المفاوضات إلى ساحة تتداخل فيها مصالح أطراف أخرى، وتصبح القضايا المطروحة أكبر ممَّا سببه النزاع المباشر، الذي أدَّى إلى الجلوس حول الطاولة. وفي اللحظة الراهنة يمكن ملاحظة أربع قضايا مترابطة تؤثر في بعضها، لمحاولة الوصول إلى تلك الورقة، اشتراط أحد الأطراف (إيران) على الطرف الآخر التأثير في دولة أو جهة ثالثة، وحدود قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها على إسرائيل، وأثر عامل الزمن على المفاوض الإيراني، في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة، وأخيراً موقع الأذرع الإقليمية الإيرانية في لبنان والعراق واليمن ضمن الحسابات الأميركية.

القضية الأولى: التاريخ السياسي يقدم أمثلة عديدة على أن الدول لا تفاوض فقط حول خلافاتها المباشرة، بل حول نفوذها أيضاً. ففي عدد من الاتفاقات الدولية لم يكن المطلوب من الدولة الجالسة على الطاولة تغيير سلوكها فحسب، بل استخدام نفوذها لتغيير سلوك حلفائها، أو الأطراف المرتبطة بها. والسبب أن القوة في السياسة لا تقاس فقط بما تملكه الدولة من إمكانات عسكرية، بل أيضاً بقدرتها على التأثير في الآخرين.

من هنا يصبح مفهوم النفوذ جزءاً أساسياً من أي مفاوضات كبرى. فإذا كانت دولة ما تدعي امتلاك نفوذ على جماعات أو دول أخرى، فإن الطرف المقابل سوف يسعى إلى اختبار هذا النفوذ وتحويله إلى التزامات عملية. أما إذا تبين أن النفوذ أقل مما يُعلن، فإن قيمة الورقة التفاوضية نفسها تتراجع.

في هذا السياق يبرز السؤال المتكرر حول قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها على إسرائيل. والإجابة ليست بنعم مطلقة، أو لا مطلقة. فالولايات المتحدة هي القوة الدولية الأكثر تأثيراً في إسرائيل. وقد أثبت التاريخ، منذ أزمة السويس عام 1956 إلى محطات أخرى لاحقة، أن واشنطن قادرة على ممارسة ضغوط مؤثرة عندما تعتبر أن مصالحها الاستراتيجية تتطلب ذلك.

لكن النفوذ ليس مرادفاً للسيطرة الكاملة. فإسرائيل تمتلك مؤسساتها واعتباراتها الأمنية والسياسية الداخلية، وقد قاومت إسرائيل في مراحل مختلفة ضغوطاً أميركية، أو سعت إلى تعديلها. لذلك هل واشنطن قادرة على التأثير الكامل؟ سؤال معلق يحتمل الإجابة بنعم أو لا.

وهنا نصل إلى القضية الثانية: الزمن. فالمفاوضات ليست مجرد تبادل أوراق، بل هي أيضاً سباق بين أطراف تحاول كل منها إقناع الأخرى بأن الوقت يعمل لصالحها. ومنذ سنوات تراهن إيران على أن الصبر الاستراتيجي يمكن أن يحسن شروطها التفاوضية. فهي تؤجل الحسم أحياناً، وترفع سقف المطالب أحياناً أخرى، وتستخدم أذرعتها في الإقليم، على أمل أن تتغير الظروف الإقليمية أو الدولية.

غير أن هذا الرهان (ثالثاً) يواجه اليوم تحديات متزايدة. فالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران لا تبدو مريحة. والاحتجاجات المتكررة خلال السنوات الأخيرة كشفت عن أن الضغوط الداخلية لم تعد حدثاً عابراً يمكن تجاهله. كما أن الأوضاع الاقتصادية تفرض أعباءً متزايدة على المواطن الإيراني، وهو ما يجعل عامل الزمن بالنسبة إلى إيران أكثر حساسية مما كان عليه في مراحل سابقة.

أما القضية الرابعة، وهي الأكثر ارتباطاً بالمفاوضات الراهنة، فتتمثل في نظرة الولايات المتحدة إلى النفوذ الإيراني في لبنان والعراق واليمن. فواشنطن لا تبدو معنية فقط بالملف النووي أو مضيق هرمز أو بالعلاقة الثنائية مع طهران، بل تنظر إلى مجمل النفوذ الإيراني في الإقليم باعتباره جزءاً من أي تسوية مستقبلية. ومن هذا المنطلق يظهر الاعتقاد الأميركي بأن على إيران أن تستخدم نفوذها لخفض التوتر، واحتواء حلفائها وشركائها الإقليميين، إذا كانت تريد الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية من التفاوض.

وتنبع هذه الرؤية من قناعة أميركية مفادها أنَّ النفوذ الذي تم بناؤه خلال عقود يجب أن يقابله قدر من المسؤولية السياسية. فإذا كانت طهران تؤكد أنها لاعب رئيسي في الإقليم، فإن واشنطن تسأل بصورة مباشرة أو غير مباشرة: هل تستطيع ترجمة هذا النفوذ إلى استقرار؟ أم أن النفوذ يقتصر على توسيع مساحة المشاغبة دون تحمل تبعاتها؟

في المقابل، تنظر إيران إلى هذه الشبكة الإقليمية باعتبارها أحد أهم عناصر قوتها التفاوضية. فالتخلي عنها أو تقليص دورها لا يُنظر إليه في طهران باعتباره خطوة فنية أو تفصيلية، بل باعتباره مسألة تمس مكانة الدولة الإقليمية وموقعها الاستراتيجي. ومن هنا تنشأ المعضلة الحقيقية: ما تعتبره واشنطن جزءاً من الحل، قد تعتبره طهران جزءاً من قوتها.

عند الربط بين هذه القضايا الأربع تتضح صورة أكثر شمولاً. فالمفاوضات الحالية لا تدور فقط حول أجهزة الطرد المركزي أو العقوبات الاقتصادية، بل حول النفوذ والقدرة على التأثير والإرادة السياسية وعامل الزمن. والسؤال الذي يواجه جميع الأطراف ليس: مَن يملك أوراقاً أكثر، بل مَن يستطيع تحويل أوراقه إلى مكاسب مستدامة قبل أن تتحول تلك الأوراق نفسها إلى عبء.

آخر الكلام: قد يأتي يوم تكتشف فيه الدول أنَّ أصعب ما في بناء النفوذ ليس توسيعه، بل تحمل تكلفته.

omantoday

GMT 12:05 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

منطق الحل

GMT 12:03 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إيران على مفترق طرق

GMT 12:00 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

الجغرافيا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية

GMT 11:58 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

حظر بريطاني تأخر

GMT 11:57 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

صورة النظام الإيراني تعادل تخصيب اليورانيوم

GMT 11:56 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

عشرة أعوام على «بريكست»

GMT 11:54 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

طوفان «التيك توك» وسجالات «التقنين»

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل أصبح النفوذ الإيراني عبئاً عليها هل أصبح النفوذ الإيراني عبئاً عليها



GMT 05:26 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في برجك يمدك بكل الطاقة وتسحر قلوبمن حولك

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 05:24 2023 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 22:03 2020 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon