إذا أنهكتك قسوة الأخبار وأحببت الخروج من الاكتئاب، فستجد في التلفزيون الصيني الناطق بالعربية فضاءً آخر. كل شيء هادئ هناك، من صوت المذيعة إلى إلقائها، وحتى الأحداث نفسها فيها من الأمل والتعاون الحثّ على التكافل الدولي، ما يجعلك تسأل إن كنا نعيش على كوكب واحد.
الأسبوع الماضي، بينما انشغل العالم بكوارثه، كانت العناوين الأولى لنشرات الأخبار الصينية ترينا الرئيس الصيني شي جينبينغ يجلس في كل مرة في الصالة الرسمية ذاتها في القصر الحكومي، على طاولة ضخمة على شكل حدوة حصان، حوله مساعدوه، ومقابله ضيف رسمي من بلد جديد، يتلو أمامه الرئيس الصيني خطاباً عن حسن العلاقات، ومستقبل الاستثمارات، حتى لتظن أن الخطاب نفسه هو الذي يتكرر.
بالمتابعة تفهم أن هذه اللقاءات شبه الروتينية، أسبوعاً بعد أسبوع، واتفاقية بعد أخرى، هي تطبيق حثيث لاستراتيجية طويلة النفس، تمهد الطرقات، تراكم الاتفاقيات، وتفتح الممرات (وما أدراك ما الممرات).
الأسبوع الماضي مثلاً، زار رئيس مجلس الشيوخ الكمبودي هون سين، بكين التي عقدت معه اتفاق شراكة أمنية وفتحت ممرين اقتصاديين يحملان اسمين ظريفين هما: «ممر التنمية الصناعية» و«ممر السمك والأرز». يربطان البنية التحتية الكمبودية بشبكة المصالح الصينية لعقود مقبلة، وبدأ تعاون أمني بين البلدين لمكافحة شبكات الاحتيال الهاتفي.
بفارق يوم واحد، حط رئيس وزراء بنغلاديش، طارق رحمان، وخرج بثلاث عشرة مذكرة تفاهم تغطي مختلف المجالات، منها التجارة والطاقة. هذا مهم لأن الصين تولي اهتماماً كبيراً لموانئ بنغلاديش وقفزاتها الصناعية.
باتت هذه الزيارات حركة يومية، حيث لا استراحة ولا تقاعس. كل الضيوف يرحب بهم بالحفاوة التي استقبل بها الرئيس الصيني قادة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. من مسؤولي سيول إلى دبلن، ومن هلسنكي إلى طشقند ونوم بنه ودكا وآستانا. جميعهم يجلسون على الطاولة نفسها، ويستمعون إلى الكلام اللطيف إياه، عن فائدة التنمية المشتركة، من دون طلبات أو اشتراطات. جل ما تريده الصين منهم أن يشرعوا أبوابهم ويمهدوا ممراتهم، ويحسنوا تعاونهم. كل يستحق احترامها، ويهمها أن يلعب دوره في تحقيق ازدهارها.
على تلك الطاولة الرسمية الرصينة، لا إحراج للضيوف ولا طلبات تفوق احتمالهم. كل ما يتمناه الرئيس مصالح متبادلة، بنية تحتية لتسهيل التجارة، استثمار يعود بالنفع على الطرفين، وعدم تدخل في الشأن الداخلي. لهذا بمقدور أي كان أن يتعاون مع الصين حتى بنغلاديش التي لا تستظرف الشيوعية أو فيتنام التي لا يرى سكانها بعين التعاطف لهذا النوع من الأنظمة.
قبل كمبوديا وبنغلاديش، كبير مسؤولي هونغ كونغ جاء بصحبة 75 رجل أعمال على رأس بعثة تجارية من كازاخستان وأوزبكستان، وخرجوا بستٍّ وستين مذكرة تفاهم واتفاقية في آسيا الوسطى. قبل ذلك بأسابيع، كان وزير الخارجية الصيني في أوتاوا، في زيارة هي الأولى لوزير خارجية صيني لكندا منذ عقد كامل.
إرث كامل خلف السلوك الصيني الذي يحير كثيرين، يتساءلون: أين الصين من كل ما يصيب العالم؟ أليس لهم من حلفاء؟ مصالح؟ ما سرّ هذا الخفوت؟ الإجابة في كتاب «فن الحرب»، في الفلسفة الكونفوشيوسية، في اعتبار الاستعجال ضعفاً والاندفاع عيباً، وفي إنجازات الخطوة خطوة.
مثل صيني يقول: «قطرة تحفر صخرة»، في إحالة إلى قوة فعل الزمن. الصينيون عندهم ثقافة الجَلَد، بنفس طويل. أما العجلة فمذمومة، وإن بدا للآخرين أنهم يطيرون من السرعة. هم يعتبرون أنهم يسيرون بخطى بطيئة للغاية. حكاياتهم عن مساوئ التسرع كثيرة. ثمة قصة يعلمونها لأطفالهم في الكتب المدرسية، عن مزارع أرز، نظر ذات مرة إلى حقله فوجد أن نبتاته لا تنمو بسرعة، فقرر مساعدتها، وصار يمسك بكل واحدة منها ويشدها بلطف صوب الأعلى لتتطاول. حين عاد إلى البيت سعيداً، وأخبر أولاده بأنه مد يد العون لشتلات الأرز، هرعوا باتجاه الحقل فوجدوها ذابلة، لأنه لم يحسن التعامل مع طبيعتها، وعاكس بسلوكه سجيتها.
وحكاية الصيني الذي رأى فراشة تخرج من شرنقتها بصعوبة، وأحب مساعدتها، تتكرر أيضاً. فتح الرجل الشرنقة ليسهل خروجها، فكانت صدمته بأن الفراشة فشلت في الطيران. بعض المساعدات فيها ضرر، لأن الفراشة وهي تصارع الشرنقة تدرب أجنحتها على الطيران، ومن دون هذه المرحلة تعجز عن إكمال دورتها.
خطة الصين الوطنية، يفترض أن يكتمل تنفيذها عام 2049، وإلى حينه، ربما يدرك العالم أنه أمام ثقافة مختلفة تحترف فن الانتظار وتمارسه بفاعلية، وليست على عجلة من أمرها.
تشو إن لاي، رئيس وزراء الصين في عهد ماوتسي تونغ، كانت له لقاءات مع هنري كيسنجر. وهذا الأخير عنده كتاب عن الصين، وهو من مهد الطريق لأول لقاء تاريخي أميركي - صيني، بين ريتشارد نيكسون وماوتسي تونغ. سأل كيسنجر في معرض حديث له مع تشو إن لاي، عن رأيه في الثورة الفرنسية. أجاب تشو إن لاي بمنتهى الجدية: «لا يزال الوقت مبكراً لإعطاء رأينا».