كيف استسلمت الجامعات

كيف استسلمت الجامعات؟

كيف استسلمت الجامعات؟

 عمان اليوم -

كيف استسلمت الجامعات

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

يصعب تصور حجم الانقلاب الذي أصاب المؤسسات التعليمية في غضون سنوات قلائل، مع تعتيم وسكوت مريبين. فقد انتقلت المدارس والجامعات، خلال ثلاثة أعوامٍ فقط، من محاربة الذكاء الاصطناعي، ومنعه، ومعاقبة مستخدميه من الطلاب، إلى تشجيعهم على الاستعانة به، وتنظيم ورشٍ تعليمية، ومعاهد متخصصه لدمجه في المناهج، والمواد الدراسية.

في فترة وجيزة حدث ما لا يصدق! فعندما تم إطلاق خدمة «تشات جي بي تي» عام 2022، واكتشف المعلمون خطورته، سارعت وزارة التعليم في ولاية نيويورك إلى حظر استخدامه على الأجهزة التابعة لها. وفي أوروبا ودول آسيوية وعربية استنفرت الجامعات لمنع استعمال التطبيق، وكشف المخلّين، وحظر ما اعتبرته غشاً موصوفاً. ولمكافحة هذا الانحراف الذي أحدث قلقاً وخوفاً في الأوساط الأكاديمية تمت الاستعانة بأدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، وتنافست الجامعات والمدارس لحماية نظمها التعليمية، ودرء الخطر عن طلابها، والحفاظ على القيمة العلمية لشهاداتها.

لم يحتج الأمر أكثر من عامين ليدرك المعلمون أن كل أدوات التتبع التي زُودوا بها، واستبشروا خيراً، لم تكشف غشاً، ولم تأتِ بنتائج حاسمة، وأن عدد طلابهم الذين يلجأون إلى هذه الأداة السحرية يتزايد باستمرار، لا بل هم أعجز من أن يلحقوا بهم، أو حتى أن يستخدموها بالمهارة نفسها. وبينت دراسات أن غالبية الطلاب ينجحون، بل ويحضّرون أطاريحهم للماجستير والدكتوراه استعانة بما تيسر من التطبيقات الذكية. شركة «تورنيتن» -المزود الأكبر بأجهزة كشف الانتحال- اعترفت بأنها فشلت في القبض على آلاف الأوراق البحثية المولدة. الأسوأ من ذلك أن طلاباً بالجملة، من غير الناطقين بالإنجليزية، في أميركا مثلاً، اتهموا زوراً بالغش لأن كتاباتهم بسيطة، وعباراتهم مكرورة، وتشبه في ركاكتها النصوص المولّدة إلكترونياً. وأظهر تحليل لـ250 ورقة بحثية خضعت لأجهزة «تورنيتن» أن ثلاثة أرباعها مولدة جزئياً أو كلياً بالذكاء الاصطناعي. النتيجة كانت أن العمر الذهبي لهذه الأجهزة -التي أريد منها أن تكون إنقاذية للتعليم- لم يتجاوز الأشهر قبل أن تعلن الجامعات ومراكز الأبحاث استسلامها أمام تسونامي النصوص المولدة.

التطورات والقفزات جاءت فجائية، بحيث لم تجد الهيئات التعليمية فرصة لالتقاط الأنفاس، أو التردد، أو إثارة القضايا، ومناقشتها. لم يعد السؤال كيف نقبض على الطالب المتلبّس بسرقة معلومات الذكاء الاصطناعي، وأداء ملكيتها، إنما كيف نساعد هذا الطالب الذي لا يمكن ردعه كي لا يتحول إلى مجرد كائن يسأل، والآلة تجيب، من دون أن يمتلك المعرفة، أو المهارة؟

استطلاع لمؤسسة «غالوب» المعروفة بيّنَ أن نصف طلاب الجامعات فكروا، والحالة على هذا القدر من الغموض، بتغيير اختصاصاتهم بسبب الذكاء الاصطناعي، و16 في المائة منهم غيروه فعلاً. فما أهمية شهادة دكتوراه يكتب أطروحتها روبوت؟ وما قيمة باحث بشري يقضي شهوراً لإنتاج ورقة علمية بمقدور جهاز صغير إنتاج أفضل منها في لحظات؟ وهل من الحكمة أن يتخلى إنسان عن الإفادة من بحر من المعرفة، ولا يغرف منه، بحجة أنها سرقة؟

الجميع في سباق مع الوقت. الجامعات تؤهل أساتذتها ليتمكنوا من اللحاق بطلاب سبقوهم بأشواط، من دون أن يكشفوا عن حيلهم الإلكترونية. والأستاذ يبقى -ولو اكتشف الخديعة- عاجزاً عن إيجاد المخرج. إذ إن الخيارات أصبحت معدومة.

الحلول مرحلياً هي بالعودة على السبل القديمة في التقييم. تترك طالبك يفعل ما يريد، ثم تأتي لحظة الاختبار التي باتت تعتمد بشكل أساسي على الكتابة في الصف بعيداً عن الأجهزة، ثم اعتماد الاختبارات الشفهية والمحادثة لكشف مدى استيعابه، واستقلاله عن الآلة التي كتبت له، وأمدته بالمعلومات. لم يعد الهدف منع الغش، فهذا من المسلّمات المقبولة، بل إنقاذ الطلاب من كارثة فقد قدراتهم التحليلية الخاصة، وروحهم النقدية، وإثبات فطامهم عن الآلة حين يضطرون إلى ذلك.

البعض يشبه رضوخ المعلمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي بقبولهم الآلة الحاسبة في درس الرياضيات، مع فرق هائل بين الحالتين، لأننا أمام أداة قادرة على فعل كل شيء تقريباً، تكتب بحثاً، تحل مسألة برمجية، تحلل نصاً، تقوم بإنشاء مشروع هندسي متكامل. الصعب ليس حظر البرامج، بل استيعاب إمكاناتها أولاً، ومن ثم التفكير في طريقة التعامل معها. ولكن كيف تفهم حدود وطاقة آلة تتطور كل لحظة، خصوصاً أن ما يمكنها أن تفعله غداً ليس حتى في وسع مخيلتك الخصبة تصوره.

omantoday

GMT 20:02 2026 الخميس ,27 آب / أغسطس

طيبون

GMT 20:01 2026 الخميس ,27 آب / أغسطس

فحيمة وعقيلة وخريسات وحديث الطائرات

GMT 19:59 2026 الخميس ,27 آب / أغسطس

مستقبل إيران تحت حكم القيادة الجماعية

GMT 19:57 2026 الخميس ,27 آب / أغسطس

لبنان... ضرورة تجاوز «نسَق الحاجة»

GMT 19:53 2026 الخميس ,27 آب / أغسطس

«كنوز الفراعنة» في سان فرانسيسكو

GMT 16:37 2026 الأربعاء ,26 آب / أغسطس

حرب الديار

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كيف استسلمت الجامعات كيف استسلمت الجامعات



هيفاء وهبي والنجمات يتنافسن بجمبسوت طبعة الزيبرا

بيروت - عُمان اليوم

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon