بقلم - عبد اللطيف المناوي
عندما قرأت إعلان كريستين لاجارد موعد مغادرتها رئاسة البنك المركزى الأوروبى، وما صاحبه من كشفها عن جراحة لاستئصال سرطان جلدى صغير، عادت إلى ذهنى صورتها فى دافوس، فى يناير الماضى. كانت تجلس إلى جوار عازف التشيلو الكبير يو- يو ما، وتتحدث عن أبيها.
أعلن البنك المركزى الأوروبى أنها ستغادر منصبها فى السابع من فبراير ٢٠٢٧. وأوضحت هى أن الضمادات على وجهها تعود إلى جراحة صغيرة، ونقلت تقارير عنها أنها خضعت لاستئصال سرطان جلدى صغير. لكن تزامُن الإعلانين لا يثبت أن وضعها الصحى هو سبب مغادرتها.
حضرت جلستها ضمن «موسيقى ونقاش مع يو- يو ما». كانت أمسية تمنح مؤتمر دافوس مساحة مختلفة، موسيقى يتخللها حديث عن الحياة والمسؤولية، بعيداً عن الإيقاع المعتاد للنقاشات الاقتصادية. ما استقر فى ذاكرتى كان لحظة استحضارها والدها.
تحدثت عن نشأتها فى أسرة تقوم على المحبة والاحترام والتسامح، وعن فقدها المبكر لأبيها. وعندما تحدثت عنه اختنق صوتها مع دمعة سقطت، موضحة أن إحساسها بالظلم أو العنف أو التعاسة يستدعى صوته داخلها، يحثها على أن تفعل شيئاً. «افعلى شيئاً». كلمتان تختصران ميراثاً إنسانياً كاملاً.
بقيت أفكر فى معنى أن يصل الإنسان إلى هذه المكانة، ثم يظل محتاجاً إلى صوت أبيه. وأن تعبر السنوات، وتتبدل المسؤوليات، وتتسع دوائر النفوذ، بينما تظل هناك علاقة أولى تمنحه معياراً لما ينبغى فعله.
كثيرون يحملون من آبائهم نصائح تتعلق بالنجاح والحذر وحماية المصالح. أما أن يظل الأب حاضراً بوصفه نداء إلى المسؤولية، فذلك ميراث يستحق التأمل. يصبح الغائب طرفاً فى الحوار الداخلى الذى يسبق القرار، ويذكّر صاحبه بأن امتلاك القدرة يحمّله واجب استخدامها.
شعرت يومها بأننى أرى جانباً يفسر كثيراً من شخصية هذه السيدة الاستثنائية. امرأة تنتظر الأسواق كلماتها، وتحسب المؤسسات حساب إشاراتها، ثم يرقّ صوتها أمام ذكرى شخصية. وقد منحنى هذا التأثر فهماً أعمق للقوة التى تبدو عليها فى المناسبات الرسمية.
فالإنسان الذى يستطيع الاعتراف بما يؤلمه، ويحتفظ بوفائه لمَن أسهموا فى تكوينه، يحمل داخله مرجعاً يسبق المنصب ويستمر بعده. وهذا المرجع مهم، خصوصاً عندما يصبح المحيطون به أكثر ميلاً إلى موافقته، وأقل استعداداً لمراجعته.
لا أزعم أن ذكرى الأب تشرح قرارات لاجارد الاقتصادية، أو تمنحها حصانة من النقد. لكنها تكشف عن جذور عميقة لشخصيتها، وعن حس بالمسؤولية لا يظهر فى السير المهنية المختصرة.
لهذا حين قرأت خبرها الأخير، لم أفكر أولاً فى سباق اختيار خليفتها. فكرت فى تلك المرأة التى جلست بين الموسيقى والكلمات، واستحضرت أباها بعد سنوات طويلة من رحيله، فبدا قريباً منها، يعينها على مواجهة العالم.
ولعل هذه إحدى علامات الأثر الحقيقى الذى يتركه الآباء، أن تظل أصواتهم قادرة على إرشادنا، حتى بعدما نصبح نحن فى مواقع يطلب فيها الآخرون إرشادنا.