الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»

الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»

الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»

 عمان اليوم -

الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»

نبيل عمرو
بقلم - نبيل عمرو

عاش الفلسطينيون منذ اعتراف قمّة الرباط العربية بـ«منظمة التحرير»؛ ممثلاً وحيداً للشعب الفلسطيني، تحت نظام حكمٍ سياسيٍ منقوصِ السيطرة والصلاحيات والقدرات، سُمّي «نظام الفصائل»، الذي كان عرّابه وصاحب القرار الأعلى فيه ياسر عرفات؛ قائد الحركة الكبرى «فتح»، وصاحب الكاريزما والقدرات المتفوقة التي أهّلته للبقاء على القمة نحو 40 سنة.

كان «نظام الفصائل»، الذي استكمل نفسه بعددٍ من الشخصيات الفلسطينية، التي سُميت «المستقلة»، قد فُصّل على مقاس احتمالات تسوية حلٍ وسط للقضية الفلسطينية. وبفعل البراغماتية المفرطة التي كان يتحلّى بها ياسر عرفات، وشركاؤه من أقطاب «فتح»، فقد أمكن لـ«نظام الفصائل» الإقدام على قراراتٍ كانت محرّمةً بالنسبة إلى غيرهم؛ منها، إن لم يكن أهمّها، القرار الصادر عن «المجلس الوطني (برلمان المنفى)» بإقامة سلطةٍ وطنيةٍ فلسطينية على أي جزءٍ من الأرض ينسحب منه الاحتلال. وقد وُصف القرار في حينه بأنه «مرحلي»، بما يعني أن الهدف النهائي بتحرير كامل التراب الفلسطيني لم يُتراجَع عنه. ورغم الإشكالات التي أثارها القرار، فإن أبرز رد فعلٍ عليه؛ ما دفع إلى تغييره، هو عدّه «مرحلياً». وهذا لم يُرضِ الدول الراغبة في جعل «المرحلي» «نهائياً»، ولهذا أُسقطت مفردة «المرحلي» من جميع قرارات «منظمة التحرير» وأدبياتها حتى أيامنا هذه.

اندمج «نظام الفصائل»؛ وإطارُه المجمع عليه «منظمة التحرير»، في النظام العربي، بما فيه من سلبياتٍ وإيجابيات، وكان أن خسرت «المنظمة» ساحاتٍ مهمة؛ مما فرض توجهاً نحو العمل على اتجاهين بديلين: الأول تكثيف المقاومة داخل المناطق المحتلة، ثم اعتماد الانتفاضة غير المسلحة. والثاني: تركيز الجهد السياسي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

كان «نظام الفصائل»، رغم ما تعرّض له من انقساماتٍ وصراعات، هو الأعلى ملاءمةً لحالة المنفى، حيث الوجود القيادي الفعّال فيه، الذي كان مؤهلاً لإنتاج التوجهّات والقرارات، إلى أن وقع التحوّل العميق والكبير، بنجاح المحادثات السرّية مع إسرائيل في أوسلو، وصار حتمياً؛ جرّاء ذلك، تغيير «النظام» أو تطويعه كي يتناسب مع الوضع السياسي الجديد للفلسطينيين. وهنا ظهرت فكرة «النظام المزدوج»... الجديد فيه هو الطابع البرلماني الذي تطلّب انتخاباتٍ للمجلس التشريعي المعني بإدارة الأوضاع في مناطق السلطة الوطنية؛ الضفة والقطاع، والاحتفاظ بـ«نظام الفصائل» بوصفه إطاراً تمثيلياً يتجاوز في صلاحياته السياسية حدود السلطة ليشمل الكل الفلسطيني. ومنذ انتخاب أول مجلسٍ تشريعي، شارك فيه جميع مواطني الضفة؛ بما فيها القدس، وقطاع غزة، دخل «النظام المزدوج» حالةً لم يسبق أن وجد الفلسطينيون أنفسهم في مثلها، بحيث صار القرار السياسي الرئيسي في مكان، والقرار بشأن حاضر ومستقبل وصلاحيات السلطة المستجدة في مكانٍ آخر.

كان المكان الذي يوجد فيه ياسر عرفات هو مركز التأثير الحاسم في القرارات، وكانت القدرات المالية التي وفّرها الوضع الجديد قد تركّزت في يد السلطة ومؤسساتها، وبفعل الأمر الواقع صارت «منظمة التحرير»؛ المفترض أنها السلطة السياسية الأعلى والأقوى شرعيةً، جزءاً من السلطة، وصارت على الصعيد الإداري والمالي أشبه بوزارةٍ من وزاراتها.

كانت فكرة الاحتفاظ بـ«نظام الفصائل» عبر «منظمة التحرير» عمليةً وبنّاءة، بل وضرورية؛ كي لا تُحصر القضية في الجغرافيا المحاصرة والمحدودة للسلطة الوطنية... غير أن الجانب السلبي في الأمر ظهر بفعل عدم إيجاد معادلة التوازن الدقيق والإيجابي بين مكوّنَيْ «النظام المزدوج»، ومن خلال رئاسة عرفات المكونَين، ظهر المحظور الخطر للحالة الاندماجية، وهو تأثر النظام كله، وبصورةٍ تكاد تكون مصيريةً، بتطورات العملية السياسية، في حال تقدّمها أو تراجعها.

في فترةٍ ما استفاد الفلسطينيون من «ازدواجية النظام»، حين كانت التسوية تتقدم، حيث ألقى الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، خطاباً أمام جلسةٍ خاصة لـ«المجلس الوطني» عُقدت في غزة. غير أن التأثير السلبي على مكونَيْ النظام بدأ التفاقم بفعل جمود العملية السياسية ووقوفها على حافة الانهيار، وهذا ما وصلنا إليه الآن.

الفلسطينيون؛ وفق تركيبة مجتمعهم، داخل الوطن وخارجه، بحاجةٍ إلى «النظام المزدوج» لحماية وحدتهم وتجنب الانفصال بين مكونات وجودهم السياسي وأهدافهم الوطنية المُجمع عليها. إلا إن فشل قياداتهم في إيجاد التوازن الحتمي بين مكونَيْ «النظام المزدوج» أدخل الحالة الفلسطينية مأزقاً بالغ الصعوبة، لم يجد حتى الآن مخرجاً منه، خصوصاً بعد تفاقم صراعاتهم الداخلية... وليس الانقسامُ الحالي بين غزة والضفة هو الوحيدَ في حالتهم.

المأزق الصعب يتجسّد في الحاجة إلى «النظام المزدوج»؛ بفعل الحالة الفلسطينية الموزعة على الداخل والمنفى، وكذلك للحفاظ على مزايا «المنظمة» في التمثيل الشرعي المعترف به. مع الحفاظ على ما تبقى من مكتسباتٍ للسلطة الوطنية، ورغم إلحاحية الحاجة إلى هذا «النظام»، فإن ارتباطه بتقدم وتعثر المسار السياسي للتسوية يفقده كثيراً من مزاياه، وهذا يُرتّب على الفلسطينيين إيجاد صيغة توازنٍ بين المكونَين يقبلها العالم ويتعامل معها، وهذا يظل بالغ الصعوبة حد الاستحالة مع بقاء الانقسام واستبداده بالحالة الفلسطينية.

omantoday

GMT 13:09 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

أيضاً من بكين وعنها

GMT 13:08 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

أهل الخليج: وهل ينهض البازي بغير جناحِ؟!

GMT 13:06 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

همزة وصل تربط حربي أوكرانيا وإيران!

GMT 13:01 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

متحف الوطن العربي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج» الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»



النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس - عُمان اليوم

GMT 16:53 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 17:11 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 04:12 2020 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

لا تتهرب من تحمل المسؤولية

GMT 16:15 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 17:31 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

يولد بعض الجدل مع أحد الزملاء أو أحد المقربين

GMT 23:59 2020 الأحد ,06 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon