بقلم - حازم صاغية
عند كلّ تطوّر كبير يتعرَّض له الشرق الأوسط، وخصوصاً المشرق وجواره، تُثار مسألة الجماعات الأهليّة واندماجها في الدول الأمم التي تنتمي إليها، أو مدى قابليّة الدول الأمم لاستيعابها ضمن أنظمة تمثيل واعتراف عادلة.
فمع الحرب الأميركيّة الإيرانيّة، ذُكّرنا بأنّ الفرس أقلّ من نصف سكّان الأمّة الإيرانيّة، وراح المراقبون، وكذلك السياسيّون والاستراتيجيّون، يتداولون في أوضاع القوميّات غير الفارسيّة، ومدى انسجامها مع المركز أو قابليّاتها لكسره. لكنّ هذا لا يلغي، في المقابل، وجود نفوذ إيرانيّ تمدّدَ قارّيّاً بالاستفادة من هشاشة النسائج الوطنيّة لبلدان أخرى. ومؤخّراً، مع الانتخابات الإسرائيليّة، والحضور القويّ الذي أعلنته نُسَب التصويت العربيّ، بدت المسألة العربيّة في الدولة العبريّة إحدى أهمّ مسائل الحاضر، وقد تتحوّل، في زمن غير بعيد، إلى أهمّ مسائل المستقبل. ومنذ الحرب الإسرائيليّة اللبنانيّة، بات عنوان «نزع السلاح» أبرز عناوين الانشقاق على قاعدة طائفيّة، في معزل عن نوايا ورغبات تنفي ذلك على جانبي الصراع. وبدوره تحوّل سقوط نظام الأسد في سوريّة، وقبله سقوط نظام صدّام حسين في العراق، حدثين يحملان، بين دلالات أخرى، دلالة طائفيّة حادّة. أمّا المسألة الكرديّة في تركيّا، ولكنْ أيضاً في العراق وإيران وسوريّة، فلا يكاد يجدّ حدث كبير في المنطقة إلَّا ويتّصل بها تأثّراً أو تأثيراً.
والتطوّرات الكبرى، حرباً وسلماً وسقوطاً للأنظمة أو انتخاباتٍ مفصليّةً، تملك قدرة استثنائيّة على كشف المخبّأ وإشهار الكامن وعقد التحالفات الخارجيّة وكسرها، وتالياً الاندراج في ما يُسمّى «حدثاً مصيريّاً». فهي، في الحدّ الأدنى، فرصة الجماعة، أو مناسبتها، للخضوع والتكيّف، أو للتغيير في شروط اللعبة وتوازنات القوى. وكلّما كبر الاعتراض على الوضع القائم، كبر حجم الارتجاج، ومثله حجم المطلب الذي يرفعه المعترضون، وكذلك الأثمان البشريّة والماديّة المصاحبة، والملحميّة التي يُسبغها أصحاب المطلب عليه.
وهذا ما لم تكن عليه الحال حين لم تكن انتماءات الجماعات من طينة قوميّة أو إثنيّة. بيد أنّ أشواطاً بعيدة قُطعت على هذا الطريق لأسباب عدّة يتّصل بعضها بضمور «السرديّات الكبرى» التي طغت على تلك الولاءات أو موّهتها، والفراغ الآيديولوجيّ الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، والانكشاف المتعاظم لفئويّة الأنظمة السياسيّة وكونها أطرافاً أهليّة مُقنّعة، لا أدوات تحكيم متعالية. وهذا فضلاً عن الصلة المعقّدة بين العولمة وتراجع الدولة الوطنيّة نفسها، وانفجار الهويّات الصغرى كملاذات آمنة للجماعات والأفراد، وتحوّر الصراعات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في صراعات هويّة. وإذ تعاظمت أعداد الخائفين من العولمة بوصفها «غزواً ثقافيّاً»، زاد تشبّثهم بهويّاتهم التي استفادت من ثورة الاتّصالات لتحرز أدوات فعّالة في التنظيم والتعبئة، وتمعن في شحذ الوعي والخوف الأهليّين لدى جماعاتها. وأخيراً لربّما صحّ ما رآه عالم الاجتماع زيغمونت بَومان من أنّ الإنسان المعاصر يعيش في «عالم سائل» تغيب عنه المؤسّسات والعلاقات الوطيدة والراسخة، بحيث تغدو الهويّة، دينيّة كانت أو إثنيّة، «مرساة صلبة» في عالم متقلّب.
وما يُلاحَظ هنا أنّ القاسم المشترك بين تلك الارتدادات هو الاحتجاج العميق على الدولة الوطنيّة بالشكل الذي نشأت عليه في منطقتنا بعد إحدى الحربين العالميّتين. وإذا كانت العجالة هذه لا تتيح الخوض في المقدّمات المجتمعيّة والثقافيّة التي مهّدت لذاك الانفكاك وسهّلته، يبقى أنّها أسباب ومقدّمات لا يمكن اختزالها وردّها إلى عامل بعينه، ولربّما صحّ القول إنّنا لا نزال نتخبّط في «الما بعد عثمانيّ» الذي لم تنجح الدولة الوطنيّة واستقبالنا لها في تجاوزه وبلورة ما يليه.
وقد يكون هناك، والحال هذه، ما يدعو إلى التفكير في صيغ أخرى للاجتماع السياسيّ تكون ضمانة أقوى للاستقرار ونزع العنف، وتشكّلُ استجابة أكبر لرغبات الجماعات الناقمة على تراكيب سياسيّة تراها سجوناً تخنقها. وقد تَستلهم صيغ كهذه شكل الروابط الإمبراطوريّة القديمة على أن تُملأ بمضمون عماده أنظمة الحكم الذاتيّ الموسّع، كما قد تستلهم الأنظمة الفيدراليّة والطلاقات المتمدّنة والدول المتعدّدة القوميّات... والتاريخ وتجارب الشعوب لا تبخل بالنماذج شريطة أن ينشأ مزاج مختلف في العالم، وخصوصاً في المنطقة. ذاك أنّ عالماً غير تدخّليّ، أو تدخّليّاً بطرق ارتجاليّة وعوجاء، لا يوفّر المناخ الصالح والضاغط والذي لا بدّ منه لدخول الطور هذا. أمّا في المنطقة، حيث يُلحّ المزاج الجديد الذي يُخرجنا من الذواء والتبديد الذاتيّ بوصفه ضرورة قاهرة، فليس واضحاً وجود أيّ استعداد لدخول مغامرة كبرى كهذه. وأوّل التحوّل لا بدّ أن يكون الخروج بوصف دقيق، وغير انتصاريّ، لأحوالنا، ومغادرة الغرق المتواصل في التفاصيل المحلّيّة حيث تحول رؤية الشجرة عن رؤية الغابة التي هي الشكل الراهن للاجتماع السياسيّ. فكيف وأنّ مزاجاً كهذا، وما يرتّبه من أفعال ومبادرات، لن يكونا ممكنين ضمن نطاق دولة واحدة، لأنّ الخائفين من «آخرين» يرونهم مدجّجين بالكثرة أو بالتعصّب أو بكليهما، لن يبادروا ولن يفرّطوا بالأدوات التي يعتبرونها أدوات قوّتهم وضمانتها. وهذه «عدّة شغل» الهويّات المهتاجة في لحظة اهتياجها القصوى.