في إدانة الإباديّة الإسرائيليّة هناك طريقتان متعارضتان: الأولى إباديّة مضادّة، جذرها قَبَليّ وفحواها أنّنا سنعرّضـ«ـهم» للإبادة متى استطعنا، فالعين بالعين والسنّ بالسنّ. وفي انتظار ذاك اليوم العظيم، نشحذ ما نملك من نوايا إباديّة.
أمّا الثانية فضدّ الإبادة بإطلاق، كائناً من كان ضحاياها، وكائناً من كان مرتكبوها، حتّى لو كانوا من «أبناء جلدتنا»، وتالياً، هي ضدّ امتلاك نوايا إباديّة من أيّ نوع.
وللأسف فالطريقة الأولى لا تزال، رغم كلّ شيء، تحظى بقوّة تقزّم قوّة الطريقة الثانية.
لقد شهدت الأيّام العشرة الماضية حدثين يقطعان بذلك: في بيروت توفّي يابانيّ يُدعى كوزو أوكاموتو، انتمى في شبابه إلى «الجيش الأحمر اليابانيّ»، ونفّذ مع رفيقين له عمليّة إرهابيّة منسّقة مع «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، في مطار اللدّ الذي سُمّي لاحقاً مطار بن غوريون.
الراحل أوكاموتو حظي بتكريم منقطع النظير بوصفه المناضل الخارق المنحاز إلى الحقّ والعدل والمنتصر لفلسطين وشعبها. لكنّ قلّة قليلة ممّن كرّموه رووا ما فعله أوكاموتو ورفيقاه اللذان قُتلا في العمليّة، وأقلّ منهم الذين دانوا تلك الفعلة.
فحلفاؤ«نا» اليابانيّون الثلاثة وصلوا إلى المطار، في أحد أيّام 1972، كركّاب مسافرين، وهناك أخرجوا من حقائبهم قنابل يدويّة وأسلحة رشّاشة هاجموا بها، بلا تمييز، صالة المسافرين. وقد أسفر الهجوم، فضلاً عن إصابة 80 شخصاً، عن مقتل 26 آخرين أغلبهم مدنيّون، 17 منهم حُجّاج قدموا من بورتوريكو للحجّ في القدس.
ومعروف أنّ «الجبهة الشعبيّة» اعتمدت الأعمال الإرهابيّة بوصفها أداة سياسيّة وإعلاميّة للفت انتباه العالم إلى القضيّة الفلسطينيّة. بيد أنّ الأداة تلك لفتت الانتباه على نحو معاكس تماماً لما أرادته «الجبهة».
هكذا أثارت العمليّة استنكاراً واسعاً في العالم، فاستجابت «الجبهة»، بعد أشهر، بإقالة وديع حدّاد من مكتبها السياسيّ، وحدّاد أحد مؤسّسيها والمسؤول المباشر عن الإرهاب. وكان أبرز الحجج الواردة تفسيراً لقرارها أنّ أفعاله «مغامرة عسكريّة»، تُلحق ضرراً سياسيّاً بالقضيّة الفلسطينيّة، كما تؤدّي إلى عزلة دوليّة متزايدة. ولم تكتف «الجبهة» بهذا فاتّهمته بعدم التزام قرارات القيادة، والتصرّف باستقلال عنها.
وتكفي المقارنة لتبيان التدهور الذي أصاب الوعي السياسيّ لتلك «الجبهة» ولمناصري أفعالها على امتداد نصف قرن، حيث أنّ ما كان يُدان بات يُمجّد، وما كان محصوراً بتنظيم حزبيّ صار جماهيريّاً واسع الانتشار.
أمّا الحدث الثاني فأخطر وأكبر، وهو انتخاب خليل الحيّة رئيساً للمكتب السياسيّ لـ«حماس». والحيّة لم ينسَ، في كلمة ألقاها بُعيد انتخابه، إعلان أنّ «أوّل ما نؤكّده أنّنا سنسير على ذات الدرب والخطى»، واصفاً عمليّة 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بـ«الطوفان العظيم».
هذا وحفّت بالحيّة أوصاف في عدادها «التصلّب»، ومساندته قائد الحركة الراحل يحيى السنوار وخطّه، والقرب من إيران. وكان دالّا أنّ الذين استعجلوا تهنئته بالفوز كانوا «حزب الله» والحوثيّين و«جماعة الإخوان المسلمين» واسماعيل قاآني ممثّلاً طهران.
لكنّ الحيّة يعرف أنّ اعتماد «ذات الدرب والخطى» لا يحجب حقائق شديدة الإيلام عن غزّة، سبَّبها ذاك الدرب وتلك الخطى، قتلاً وتدميراً إسرائيليّين، ونزوحاً متكرّراً، وشحّاً في المساعدات وصعوباتٍ تعيق وصولها، ووقوع 70 في المئة من مساحة القطاع تحت سيطرة الدولة العبريّة، وهزال المشاريع المطروحة كحلول، والدفع الإسرائيليّ إلى تهجير الغزيّين، واستمرار أعمال القتل منذ وقف إطلاق النار وعلى رغمه. وهذا إنّما يحيل الكلام عن مقاومة في غزّة، والقول إنّ المقاومة تجعل الوصول «لفلسطين وللعودة أقرب»، دعابة سوداء لا تليق بقائد.
إلى ذلك قُتل، في هذه الغضون، معظم إخوان الحيّة في قيادة «حماس»، وانكمشت شعبيّة تنظيمه في القطاع الذي كانت تحكمه، فيما تقلّص الاهتمام الإقليميّ والعالميّ بغزّة بسبب حرب إيران التي استقطبت الاهتمام كلّه، وهذا علماً بأنّ القطاع أبقيَ خارج التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ ولم تلحظه «مذكّرة التفاهم».
وفضلاً عن انعدام أيّ توازن في القوى، يمعن نهج الحيّة في زيادة الاختلال الفلكيّ لمصلحة إسرائيل ويقدّم، مُدعَّماً بتمسّك «حماس» بسلاح لا يجدي نفعاً، حجّة لتماديها في الوحشيّة طالما أنّ مرتكبي «الطوفان» راغبون في ارتكابه مجدّداً.
وإذ يضاعف النهجُ إيّاه إرباكَ السلطة الوطنيّة وإضعافها، وهي مُربَكة وضعيفة بما يكفي، فإنّه يسدّ الطريق أمام الإفادة من تحوّلات عالميّة سبق أن تراكمت لصالح الفلسطينيّين. ذاك أنّ التحوّلات المذكورة لن تجد، والحال هذه، ما يزكّيها ويخدمها في خطاب ينكر الخطيئة ويبدي الاستعداد لارتكابها ثانيةً.
لقد خاب كلّ أمل بأن تراجع «حماس» تجربة 7 أكتوبر المُرّة، إذ آثرت التصرّف كما لو أنّ المأساة لم تحصل أصلاً، وأنّ ما يحصل عندنا هو الانتصار فحسب. ومن يفعل شيئاً كهذا لا يكون مناهضاً للإبادة، إذ يستولي عليه تصوّر للعالم بوصفه مدى مفروشاً بجماجم وعِظام، فيما يقود خطاه إنزالُ الإبادة بأعدائه ولو استدعى الأمر حرباً حتّى الفناء. وهذا الذي يرى الأمور هكذا لا يملك ما يميّزه عن نتنياهو وسموتريتش وبن غفير.