الانتخابات النصفيّة وسياسات أميركا الداخليّة

الانتخابات النصفيّة وسياسات أميركا الداخليّة

الانتخابات النصفيّة وسياسات أميركا الداخليّة

 عمان اليوم -

الانتخابات النصفيّة وسياسات أميركا الداخليّة

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

ليس دقيقاً ولا مفيداً تكرار القول إنّ ما حصل في الولايات المتّحدة، مجرّد روتين انتخابيّ يتعاقب بموجبه الحزبان على الربح والخسارة، وغالباً ما يخسر حزب الرئيس الانتخابات النصفيّة.

صحيح أنّ الكثير ممّا حصل تصويت عقابيّ قد ينقلب لاحقاً إلى نقيضه، لكنْ تبقى هناك عناصر جديدة ولافتة رغم أنّ بعضها لا يزال جنينيّاً. وهي ما ينبغي التوقّف عنده كإشارات إلى وجهات محتملة، حتّى لو ضخّمها أرباب التضخيم من المتحمّسين للتغيير.

والجديد هنا يقابل الجديد الذي مثّله انتخاب ترمب مرّتين للرئاسة والذي، بدوره، لا يجوز ردّه إلى مجرّد روتين انتخابيّ.

فللمرّة الأولى ينعكس التعدّد، بالإثنيّ منه والدينيّ، على التمثيل السياسيّ. ولئن قيل إنّ أميركا كانت انتخبت للرئاسة الكاثوليكيّين كينيدي وبايدن، والمسلم الأسمر أوباما، فالذين انتُخبوا اليوم أكثر بلا قياس، والأهمّ صدورهم عن بيئات اجتماعيّة، وتصوّرات فكريّة مختلفة.

كذلك يظهر تقليد كامل الجِدّة في الحياة السياسيّة الأميركيّة، هو الاشتراكيّ الديمقراطيّ، ويأتي مشوباً بشعبويّة نافرة ذات مصدر هويّاتيّ مضخّم وبسفسطات المنظّمات غير الحكوميّة، وذاك التقليد كان خارج المُتَخيّل أميركيّاً. ويظهر أيضاً جيل جديد من السياسيّين ليس واضحاً بعد ما الذي سيضيفه إلى الحياة السياسيّة أو يُنقصه منها.

وبيّنت الانتخابات أنّ لفعاليّة المال في السياسة حدوداً حتّى في الولايات المتّحدة، وحتّى حين يكون المال ممثّلاً بجبابرة التقنيّة والذكاء الاصطناعيّ. ولكنْ تبيّن أيضاً أنّ هناك حدوداً لاستخدام الهويّة القوميّة في التحريض على الأجانب والمغايرين، وفي افتراض أنّها تنوب مناب «الخبز والزبدة». والشيء نفسه يصحّ في العلاقة بفكرة القائد المعبود، ومدى استعداد أميركا للتسليم المطلق به.

لكنْ ربّما كان من أهمّ النتائج، وهو ما يستحقّ وقفة أطول، أنّ نظام الحزبين، بوصفه الشكل المعمول به لاشتغال الديمقراطيّة، باتت تحيطه شكوك كثيرة.

والحال أنّ التاريخ الأميركيّ يضجّ بالأمثلة عن اهتزاز حزبي الوسط، وعن كونه لحظة عابرة: ففي تسعينات القرن التاسع عشر، وضدّاً على التفاوت الاقتصاديّ الذي أحدثته الصناعة والاحتكارات ظهرت حركة الشعبويّين الزراعيّين ومطالبها الاجتماعيّة الراديكاليّة. وهي لئن استقلّت بذاتها كحركة سياسيّة، فإنّها ما لبثت أن فقدت استقلالها وحضورها التنظيميّ ليندمج بعض مطالبها في اللغة السياسيّة للمتن العريض.

وبعد أزمة 1929، صعدت قوى شعبويّة «يمينيّة» و«يساريّة» ومختلطة كالأب كوغلين عدوّ الرأسماليّة والمصارف واليهود. لكنّ سياسات «النيو ديل» ودولة الرعاية أعادت حزبي الوسط إلى الإمساك بمفاصل الحياة السياسيّة.

وحتّى بين 1964 و1972، إبّان معركة «الحقوق المدنيّة» وحرب فيتنام، تجمّعت عناصر التطرّف داخل الحزب الديمقراطيّ، فصعد من داخله اليمينيّ جورج والاس، وكذلك حركات الاحتجاج على الحرب وجماعات يساريّة راديكاليّة. وشهدت بيئة الديمقراطيّين في الجنوب، وهي المناهضة للحقوق المدنيّة، انعطافاً نحو الجمهوريّين، ما غيّر الحزبين سواء بسواء.

لكنّ أميركا لم تعرف، لا مع باري غولدووتر يميناً، ولا مع جورج ماكغفرن يساراً، ما شهدته أوروبا الثلاثينات من صعود للفاشيّة وتدمير كامل للوسط بقوّة الاستقطاب المتطرّف.

ولئن أسبغ ريغان على الحزب الجمهوريّ لوناً أكثر شعبويّة وأوسع استيعاباً للجماعات والفرق المتطرّفة، خصوصاً الدينيّة، فهو لم يُخلّ بالقواعد الأساسيّة لدوران المؤسّسات السياسيّة حول الوسط. وفي المقابل ثبّت كلينتون حزبه الديمقراطيّ في الوسط، مع انزياح إلى اليمين كان هدفه استرجاع الديمقراطيّين الذين كسبهم ريغان.

لكنْ في العقود الأخيرة بدأ الأمر يختلف. فقد تراجعت قوّة أحزاب الوسط، بفعل العولمة، وترحيل صناعات إلى الخارج، وفقدان الوظائف نتيجة الثورة التقنيّة واقتصاد الخدمات.

وإذ عملت وسائل التواصل الاجتماعيّ على تأجيج الخلافات وتطعيمها بجرعات من الأخبار الكاذبة، اتّفقت شعبويّتا اليمين واليسار على نزع الثقة عن «النخبة» السياسيّة التقليديّة، الموصومة بالفساد، لمصلحة «الشعب».

هكذا أصبح الحزبان الرئيسان إطارين لنموّ التيّارات المتطرّفة داخلهما. ففي الحزب الجمهوريّ، ظهر «حزب الشاي» في 2009، كردّة على إصلاحات أوباما، ثمّ انتُخب ترمب في 2016.

وأسّس «حزب الشاي» سابقة على صعيد وحدة الحزب بعمله على إسقاط جمهوريّين تقليديّين في الانتخابات التمهيديّة، ودفع جمهوريّين أكثر تشدّداً إلى الكونغرس. وبدوره اعتمد ترمب سياسات منافية للإجماعات التقليديّة، في الاقتصاد والهجرة والعلاقات الدوليّة وسواها، جاعلاً الولاء لشخصه معيار الحزبيّة الأهمّ.

ومع انتخاب ترمب للمرّة الأولى، صعد نجم بيرني ساندرز كمرشّح ديمقراطيّ محتمل للرئاسة، وتردّد أنّ مقدّمات صعوده كامنة في «حركة احتلوا وول ستريت» عام 2011، التي وضعت التفاوت الطبقيّ في صدارة النقاش السياسيّ واقترحت أشكالاً غير مألوفة في العمل السياسيّ.

واليوم نشهد تتويجاً نوعيّاً لتلك التحوّلات يجوز التشكيك في وقفه والسيطرة عليه. فهو قد يفجّر الحزبين معاً: ما بين ترمبيّين وجمهوريّين تقليديّين يتجرّأون على استعادة تقاليدهم ما قبل الترمبيّة، وفيما بين الترمبيّين أنفسهم في سياق تحميل بعضهم مسؤوليّة الهزيمة للبعض الآخر، وكذلك ما بين ديمقراطيّين تقليديّين وآخرين من الاشتراكيّين الديمقراطيّين، خصوصاً إذا توهّموا تغييرات لا تحتملها أميركا.

omantoday

GMT 17:40 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الاقتراع

GMT 17:39 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

تمريغ أنف الأميركيين في الوحل

GMT 17:38 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

هل قوة الحوثي حقيقية أم وهمية؟

GMT 17:35 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ما بعد الانتخابات الأميركية

GMT 17:32 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

انتخابات الكونغرس الأميركي ومنطقتنا

GMT 17:31 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

في التربة الغريبة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الانتخابات النصفيّة وسياسات أميركا الداخليّة الانتخابات النصفيّة وسياسات أميركا الداخليّة



إطلالات إليسا في أحدث أعمالها تنبض بالرومانسية والأنوثة

بيروت - عُمان اليوم

GMT 12:06 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

تفاصيل الهرم الغذائي الدولي الجديد وأبرز مبادئه الصحية
 عمان اليوم - تفاصيل الهرم الغذائي الدولي الجديد وأبرز مبادئه الصحية

GMT 14:14 2026 السبت ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

إلهام شاهين تطالب بحجب صفحة مرتضى منصور على فيسبوك
 عمان اليوم - إلهام شاهين تطالب بحجب صفحة مرتضى منصور على فيسبوك

GMT 12:06 2026 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

تفاصيل الهرم الغذائي الدولي الجديد وأبرز مبادئه الصحية

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon