بقلم - مصطفى الفقي
لم تكن تلك هى المشكلة الأولى والأخيرة التى تواجهها القاهرة على المستويين الإقليمى والدولى، إذ إن أزمة أكيلى لاورو قد سبقت تلك الأحداث الجسام وتركت آثارًا سلبية للغاية على نظرة واشنطن إلى الرئيس المصرى الجديد نسبيًا بعد حادث السفينة التى تحمل هذا الاسم، فكانت لمصر نقطة تحول فى المسار الدولى للحرب على الإرهاب كما كانت تأكيدًا لمصداقية الدولة المصرية فى مواجهة المواقف الأمريكية، وقد انتهت الأزمة بعد ما أخذت طابعًا عالميًا من الانتقادات المتبادلة بين الدولتين فلقد قتلت مجموعة أبو العباس الفلسطينية مواطنًا أمريكيًا قعيدًا وألقت به فى عرض البحر، وعندما سُئل الرئيس مبارك علنًا: أين المتهمون وأين يوجدون؟
أعطى إجابة مبهمة ليغطى بها على تعليمات بإرسالهم لقيادتهم الشرعية فى تونس صاحبة حق التصرف فى مثل هذه الأمور، وكان ذلك فى الوقت الذى تتجه الطائرات المصرية التى تحمل المتهمين إلى أجواء إيطاليا فاعترضتهم الطائرة الأمريكية وأجبرت ركاب الطائرة التى كانت تقل المجموعة الفلسطينية فى طريقهم إلى العاصمة الإيطالية على الهبوط، حيث تمت ترتيبات إسكانهم وتوفير أسباب الراحة لهم، وفى اليوم التالى خرجت الطائرة من الأجواء الإيطالية لتصبح قضية معلقة فى سجل العلاقات المضطربة بين القاهرة وواشنطن والتى بلغت ذروتها بعد ذلك بسنوات فى مؤتمر بمدينة شرم الشيخ حيث ألقى الرئيس المصرى خطابه فى غياب الرئيس الأمريكى حينذاك جورج بوش الأب وفعلها مبارك هو الآخر عندما خرج من قاعة المؤتمر مع بداية إلقاء جورج بوش لكلمته، وهكذا كانت العلاقات بين الدولتين تمر بأزمة فقدان للثقة لا يتحدث عنها أحد الطرفين ولكنها كانت معلومة للجميع بل أدت إلى قطيعة رئاسية بين الإدارتين فى واشنطن والقاهرة وامتد تأثيرها لعدة سنوات حيث بدت فى تراكم طبيعى للوصول إلى المشهد الذى انعكس على حكم الرئيس مبارك فى الفترة الأخيرة من عهده حتى إنه كان ينتقد ويشكو علنا من تصرفات واشنطن معه والتى كان آخرها تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية بضرورة أن يترك مبارك مقعده فى الحكم حاليًا ودون تسويف،
وهذه الأحداث تؤكد فى مجملها أن العلاقات بين العاصمتين قد تطورت فى ظل أزمة فقدان الثقة بين العاصمتين، وأنا أقول ذلك الآن لأؤكد أن مبارك لم يكن - خصوصًا فى السنوات الاخيرة - هو رجل الولايات المتحدة أو حليفها فى المنطقة، كما أننى أظن أن الأمريكيين لم يكونوا متحمسين لقصة التوريث وغير موافقين على أن يتولى نجله مكان الرئيس على قمة السلطة المصرية،
وكان ذلك قد سبق أحداث الربيع العربى وأضحى تمهيدًا لها وتاكيدًا لمسيرتها فى العلاقة بين الدولة العظمى فى العالم والدولة الكبرى فى الشرق الأوسط فى ذلك الوقت، ولقد حاول الرئيس مبارك استعادة الثقة المفقودة بين العاصمتين ولكن الأحداث والأمور المتعاقبة قد سرقت جزءًا من الزمن ليجد مبارك نفسه هو الرئيس الذى اعتمد على هشيم تذروه الرياح، إنها صفحة حافلة من الأحداث والرؤى فذلك هو الشرق الأوسط دائمًا، صعود وهبوط، انتصارات وانكسارات مستمدة من الجزء الواضح للكيمياء الشخصية بعيدًا عن الهوس الأمريكى والاستسلام لضغوط القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار حائط برلين وحالة السيولة الواضحة للعلاقات بين القوى المختلفة دولية وإقليمية فى تحديد ما ترتب على كل طرف من تراكمات للأحداث والرؤى والمواقف.