بقلم - بكر عويضه
فور إعلان تنصيب أندي بيرنهام زعيماً لحزب «العمال»، الجمعة الماضي، انطلق هتاف مُدوٍ يزعق: «أندي... أندي... أندي». فجأة، قفزت من بئر ذاكرتي صيحات «ناصر... ناصر... ناصر» التي كانت تنطلق لمجرد ظهور جمال عبد الناصر حيثما كان ظهوره مُنتظراً. بالطبع مقارنة كهذه سوف تبدو نوعاً من شطح الخيال غير القابل للتصديق. إنما إذا أثبت بيرنهام أنه جاد فعلاً في تنفيذ ولو بعض الذي صرّح به، أو تحدث عنه، من سياسات، وليس كله، فمن الجائز، إذَنْ، القول إنه يبدو أقرب إلى صفة ثائر بريطاني منه إلى زعيم تقليدي، خصوصاً حين تؤخذ في الاعتبار مضامين خطابه القائل إنه آتٍ لحكم بريطانيا بغرض إحداث ثورة، وهو خطاب مشابه لمقولات جمال عبد الناصر، ورفاقه الضباط، في تبرير انقلاب الثالث والعشرين من يوليو (تموز) قبل أربعة وسبعين عاماً من يوم غد.
القول إن أندي بيرنهام يستحق وصف «ثائر» ليس يُقال بقصد المديح، ولا لغرض القدح، بل ضمن عرض لسمات شخصيته. وفي هذا السياق يورِد بعض الذين عرفوه عن قرب، أو عملوا معه، صفاتٍ له مثل «بلوتر»، أي «متآمر»، وهو أيضاً توصيف يرِد في ثقافة الغرب السياسية بمعنى بعيد عن الذم، أو الانتقاص من شأن أي شخص، كما هو متداول لدى العرب، أو غيرهم من شعوب العالم النامي، وقد كثر ترديد هذا الانطباع عن بيرنهام منذ اتضح قبل بضعة أسابيع أنه أقوى قيادات «العمال» التي كانت تخطط لإزاحة السير كير ستارمر من زعامة الحزب، والتي انطلقت تحرك خيوط إتمام تنفيذ المخطط بأسرع وقت ممكن، بمعنى أنه كان «المتآمر» الذي يوجه الأوامر. يُضاف إلى ذلك أن إصرار بيرنهام، مخاطباً أعضاء الحزب ومعظم وزراء الحكومة، على أن انتخابه يشكل «أهم لحظة تغيير في سياستنا منذ أربعين عاماً» كافٍ في حد ذاته لتأكيد أنه يستحق صفة «الثائر»، فإذا أضيف لما تقدم قوله فور تكليفه تشكيل الحكومة، أول من أمس، إن «إعادة ضبط مسار البلاد» هو في مقدمة أولوياته، يغدو واضحاً مدى طموح بيرنهام غير المحدود.
ضمن بنود الطموح غير المحدود للرئيس أندي بيرنهام أن يعيد للشمال البريطاني ما يعتقد هو، وعدد من أركان حكومته، أن شمال بريطانيا حُرِم منه طوال العقود الأربعة الماضية. من هنا يتضح لماذا أعلن بيرنهام إدراج خطط لإعادة التنقيب عن النفط في بحر الشمال ضمن برامج أولويات حكومته، وهو أمر اعترض عليه إدْ ميليباند، الذي كان يطمح لتولي وزارة الخزانة، فحُرِم منها، وأعطي حقيبة الخارجية، رغم دوره المهم في دعم أندي. ذلك مؤشر مهم أيضاً عن شخصية بيرنهام الذي يُعطى كذلك صفة «رَثْلِس»، بمعنى أنه «قاسٍ، لا يرحم»، عندما يتعلق الأمر بتطبيق منهج سياسي يؤمن به. يبقى القول إن ما سبق قليل مما ينتظر بريطانيا بيرنهام داخلياً. أما في الشأن الخارجي، فالتحديات كثيرة، وصعبة، وبعضها ينذر بأزمات عدة تنتظر أندي على أكثر من جبهة، مثلما حصل مع عبد الناصر ورفاق ثورته داخل مصر، وفي علاقاتها مع غيرها.