بقلم - سليمان جودة
الذين تابعوا تعيين قيادات جديدة في إيران توقفوا في الغالب أمام اسم الجنرال محسن رضائي، الذي تولى منصب أمين عام مجلس الأمن القومي الأعلى.
ولا بد أن أسباباً متنوعة تدعو المتابع إلى التوقف أمام هذا الاسم بالذات، ومنها مثلاً أنه موجود في الحياة العامة في بلاده من أيام الخميني. بل إننا نفهم من سيرته الذاتية المنشورة أنه تولى في وقت المرشد الأول، قيادة «الحرس الثوري» لمدة تصل إلى 15 سنة. ولكن ليس هذا هو السبب الذي يستوقفك بين الأسباب، فالأهم هو ما قيل في سيرته المكتوبة عن أنه هو مَنْ كتب إلى الخميني يطلب وقف الحرب العراقية الإيرانية.
نفهم من سيرته أنه طلب هذا، وليس واضحاً ما إذا كان هو الذي طلب، أم أن الخميني استطلع رأيه فكان رده أنه يوافق على وقفها، أو يدعو إلى ذلك؟ ليس واضحاً بالضبط، وأياً كان الأمر فما يهمنا أنه كان طرفاً في وقف الحرب بين بلاده والعراق، وأنه لم يكن في الجانب الذي يرى استمرارها أو المزيد من النفخ في نارها.
السؤال هو: هل سيكون موقفه هنا في الحرب الأميركية الإسرائيلية شبيهاً بموقفه هناك في الحرب العراقية الإيرانية؟ طبعاً الظروف غير الظروف، والحرب غير الحرب، وحتى المرشد غير المرشد، ولكن الفارق الوحيد أن رضائي هو رضائي، ولا يمكن أن يكون معتدلاً في عام 1988، عندما وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها، ثم يصبح متشدداً في عام 2026، الذي تبحث فيه المنطقة عن طريق لوقف حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، أو الحرب التي بدأت منهما على إيران، ثم صارت بين الأميركيين والإيرانيين وحدهما، بينما جلست إسرائيل تترقب وتراقب من بعيد.
أقول لا يمكن أن ينتقل رضائي من الاعتدال إلى التشدد بين الحربين، لأن المرء بطبيعته يميل إلى الاعتدال في آرائه كلما تقدم به العُمر. فهذه طبائع البشر في العموم. فما بالنا إذا كان الرجل الذي نتحدث عنه قد أبدى اعتدالاً صريحاً عندما سُئل عما يراه في شأن حرب بلاده مع العراق، ولم يكن يميل فقط إلى حيث يميل الاعتدال؟
وربما يكون اعتداله ذاك في وقت تلك الحرب، هو الذي جعل الذين سجلوا سيرته المنشورة يصفونه بأنه «مرن».
فهل هذه الصفة تحديداً هي التي دفعت المرشد في إيران إلى اختياره ممثلاً له في مجلس الأمن القومي الأعلى، ثم دفعت الرئيس مسعود بزشكيان من بعد المرشد إلى إصدار قرار بتعيينه أميناً عاماً للمجلس؟ هذا جائز، ولكنه يحتاج إلى أن يمر في اختبار الوقت، وأن نرى منذ اليوم ما يدل على أن المرونة واحدة من الصفات الأصيلة في شخصيته، ثم نرى أيضاً أن ميله إلى وقف الحرب مع العراق كان إشارة إلى اعتدال يحمله في رأسه وفي أفكاره، ولم يكن مجرد رغبة في إنهاء حرب طالت حتى دامت 8 سنوات.
الحكومة الباكستانية التي تتولى الوساطة بين الأميركيين والإيرانيين تتحدث خلال الساعات القليلة المنقضية عن أن الطرفين قريبان من الوصول إلى تسوية، ولا يمكن لنا إلا أن نلاحظ أن حديث الوسيط الباكستاني عن ذلك مرتبط زمنياً بمجيء رضائي إلى منصبه في المجلس الأعلى.
فهل هناك علاقة بين مجيئه إلى موقعه الجديد، وبين التفاؤل الذي ساد ويسود لدى الحكومة في باكستان؟
هذا بدوره وارد جداً، لأن الموقع الذي يشغله الرجل في الأمانة العامة للمجلس ليس هيناً بكل معيار. فمما نقرؤه عن سلطات الجالس على مقعد الأمانة العامة، أن له تأثيراً نافذاً على جميع مواقع القرار في البلاد باستثناء موقع المرشد. والمعنى أن له تأثيراً على القرار في «الحرس الثوري»، وعلى القرار في القوات المسلحة الإيرانية، وهذان في الحقيقة هما الموقعان اللذان إذا انتقلت إليهما عدوى اعتداله، أو شيء منها، فسوف يكون التفاؤل الباكستاني في مكانه، وسوف تكون هذه المنطقة من العالم على موعد مع فرصة تلتقط فيها أنفاسها.
المجيء بجنرال مثله إلى موقعه الجديد لا يمكن أن يكون بالصدفة، ولا بد أنه قد جيء به لحكمة، وسوف لا تغيب الحكمة كثيراً على كل حال، وكل ما يأمله المرء وهو يرى معاناة الناس في منطقتنا من جراء حرب اللاضرورة هذه، ألا يتخلى رضائي عن اعتداله القديم، وأن ينتصر له، وأن يكون الإتيان به إلى الأمانة العامة رهاناً على الاعتدال كقيمة، وتغليباً لها على ما عداها.