التَّوَسُّطُ مَمْدُوحاً وَمَذمُوماً

التَّوَسُّطُ... مَمْدُوحاً وَمَذمُوماً!

التَّوَسُّطُ... مَمْدُوحاً وَمَذمُوماً!

 عمان اليوم -

التَّوَسُّطُ مَمْدُوحاً وَمَذمُوماً

تركي الدخيل
بقلم - تركي الدخيل

هَذَا بَيتٌ لَطيفٌ، من قَصيدةٍ ذهبَ مُعظمُ أبياتِهَا أمثالاً سَائرةً، هيَ لاميَّة أبِي العَلَاءِ المَعَرِّي (363-449هـ =973-1057م): شَاعرِ الفَلَاسِفَة، وَفَيلسُوفِ الشُّعَرَاء، حَكِيمِ المَعَرَّة.

وُلِدَ وَتُوُفِيَ وَدُفِنَ، بمَعَرَّة النُّعمَان، إحْدَى مُدُنِ مُحَافَظَةِ إدْلبَ السُّورِيَّة.

لَمَّا بَلغَ المَعَرّي سَبْعَةَ أعْوَامٍ، أُصِيبَ بِالجُدَرِي، فَفَقَدَ بَصَرَهُ.

لَمْ يَمنَعِ العَمَى جُمُوحَ الذَّكَاء، وَلَا صُوَرَ الإبْدَاعِ مِنْ إضَاءَةِ حَيَاةِ أبِي العَلَاء، وَمِنْ ذَلكَ أنَّهُ نـَظَمَ الشّعْرَ وَهوَ ابْنُ 11 عَاماً.

وَفِي دُرُوبِ حِكْمَتِهِ، يَقُولُ أبُو العَلَاء:

وَإِنْ كُنْتَ تَهْوَى الْعَيْشَ فَابْغِِ تَوَسُّطًا فَعِنْدَ التَّنَاهِي يَقْصُرُ الْمُتَطَاوِلُ

سَاقَ ابنُ خِلّكَان فِي (وَفَيَات الأعْيَان)، عَددًا مِنْ أَبيَاتِ القَصِيدَة، وَقَبْلَ ذِكرِ البَيتِ السَّابِقِ، قَالَ: «وَمَا أحْسَنَ قَولَهُ فِيهَا!»... ثُمَّ أوْرَدَ البَيتَ.

يُخاطِبُ الشَّاعرُ فرداً لا يُسَمِّيه بنصيحتِه، التي يريدُ إيصالَها إلَى كلّ من يبلغُهُ شِعرُه.

يبدأُ عِبارتَه بأدَاةِ شَرطٍ، فِي قَولِهِ: (وإنْ كنتَ تَهوِى العَيشَ)، وَيتبعُهَا بِجوَابِ الشَّرْط: (فابغِِْ توسُّطًا). وَمَنِ الّذِي لَا يَهوَى العَيْش؟

اختارَ المَعَرّي بِدايةً، يكادُ النَّاسُ يُجمِعونَ عَلَيهَا، فَمِنْ طَبَائعِ البَشَر، تَعَلُّقُهُمْ بِالحَيَاةِ، وَمَحَبَّةِ العَيشِ، ولمَّا كانَ كُلُّ أَحدٍ يَنطَبقُ عَلَيهِ مَا بَدَأَ الشَّاعِرُ بهِ بيتَه، وَهوَ مَا أرادَ بهِ، شدَّ انتباهَ المَنصُوحَ، لِلُبِّ النَّصيحَة: ضَرورَة التَّوسط.

الهَوَى: مَصْدَرُ هَوِيَ، يُقَال: هَوِيَهُ: إِذَا أَحَبَّهُ وَاشْتَهَاهُ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْمُهْوِيُّ الْمُشْتَهَى، مَحْمُوداً كَانَ أَمْ مَذْمُوماً، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى غَيْرِ الْمَحْمُودِ، فَقِيل: فُلاَنٌ اتَّبَعَ هَوَاهُ: إِذَا أُرِيدَ ذَمُّهُ، وَفِي التَّنْزِيل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِِ الْهَوَى﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْل وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾.

قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَسُمِّيَ الْهَوَى هَوًى، لأَِنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ إِلَى النَّارِ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَعْمَل فِي الْغَالِبِ إِلَّا فِيمَا لَيْسَ بِحَقٍّ، وَفِيمَا لَا خَيْرَ فِيهِ.

وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْحَقِّ، وَمِنْهُ قَوْل عُمَرَ، رضي الله عنه، فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ».

*(الموسوعة الفقهية الكويتية): ج 42، ص 310، 311.

قولُه:(فَابْغِ): الفَاءُ وَاقعةٌ في جَوابِ الشَّرط. ابغِِْ: فِعلُ أمْر، والبِغْية، والبُغْية: الحَاجة المَبْغِيَّة. يُقَالُ: مَالِي في بَنِي فُلَان بِغْيَة، وبُغْيَة، أَي: حَاجة.

المعنى: اقصد واعمل والتزم (التوسط)، لزوم المحتاج.

في (لسان العرب)، لابن منظور: التَّوسُطُ: «وسَطْتُ القومَ أَسِطُهم وَسْطًا وسِطةً أَي تَوَسَّطْتُهم. ووَسَطَ الشيءَ وتَوَسَّطَه: صَارَ فِي وَسَطِه. ووُسُوطُ الشَّمْسِ: توَسُّطُها السَّمَاءَ.

وواسِطةُ القِلادة: الدُّرَّة التي وسَطها وَهِيَ أَنْفَس خَرَزِهَا». وَمنْ أبياتِ قصيدةِ المَعَرَي، التِي صَارَت أمْثالاً سَائِرةً، قَولُهُ مُفتخِراً:

أَلَا فِي سَبِيلِ المَجْدِ مَا أَنَا فَاعِلُ عَـفَافٌ وَإِقْـدَامٌ وَحَزْمٌ وَنَائِِلُ

وقوله:

وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الْأَخِيرَ زَمََانُهُ لآَتٍ بِمَا لَمْ تَسْـتَطِعْهُ الْأَوَائِل

وَقَوْلُه:

وَلَمَّا رَأَيْتُ الجَهْلَ فِي النَّاسِ فَاشِياً تَجََاهَلْتُ حَتَّى ظُنَّ أَنِّيْ جَاهِلُ

إنَّ نَصِيحةَ المَعرّي لِمنْ يَهوَى العَيشَ، مِنْ أجْلِ حِيَاةٍ أفْضَلَ، بانتِهَاجِ التَّوسُّطِ فِي شُؤونِ الحَيَاة، تَتعلَّقُ بِالخِيَارَاتِ بينَ الإفرَاطِ وَالتَّفْرِيط.

وَهوَ مَا يَتَّضِحُ فِي قَولِ أبِي سُليمانَ الخَطابِي:

وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ كِلَا طَرَفَيْ قَـصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ

أي: أنَّ الطَّرَفَينِ هُمَا النَّقِيضَانِ، وَاقتصَدَ باختيارِ التَّوسُّط بينهُمَا. يَقولُ أبُو فِرَاسِ الحَمدَانِي، مُفتَخِراً بِقَومِهِ، نَافِياً عَنهُمُ التَّوَسُّط:

وَنَحْنُ أُنَاسٌْ لَا تَوَسُّطَ بَيْنَنَا لَنَا الصَّدْرُ دُوْنَ العَالَمِيْنَ أَوِ القَبْرُ

تَهُوْنُ عَلَيْنَا فِي المَعَالِي نُفُوْسُنَا وَمَنْ خَطَبَ الحَسْنَاءَ لَمْ يُغْلِهِ مَهْرُ

وَالخيَارَانِ اللّذانِ يَقْصُدُهَما الحَمدَانِي، ليسَا خيَاريْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، يمثلهُمَا تطَرُّفَان؛ إفراطٌ وَتَفرِيطٌ، بلْ هُمَا: خَيارٌ صَائبٌ فِي بُلوغِ المَعَالِي وَتَحقيقِ الصَّدَارَة، وَخيارٌ آخرُ مُجَافٍ لِلصَّوَاب، مُخَالِفٌ للحَقّ، وَمَا بينَ الصَّوَابِ وَالخَطأ، لَيسَ تَوَسُّطًا يُحمَدُ لزومُه، بل جنوحٌ عنِ الحَق، وَمنْ لمْ يَخترِ الصَّحِيحَ وَالصَّوَاب، لَزم البَاطلَ والخطأ، وَلو كَانَ فِي الوَسَط، فَالوَسَطُ المَمدُوح، مَا كَانَ بينَ تَطَرُّفَيْن، وَاللهُ يَرْعَاكُم.

omantoday

GMT 16:10 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 16:08 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 16:06 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 16:05 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 16:03 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التَّوَسُّطُ مَمْدُوحاً وَمَذمُوماً التَّوَسُّطُ مَمْدُوحاً وَمَذمُوماً



نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت - عُمان اليوم

GMT 04:21 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

5 أبراج تخاف من فكرة الإلتزام وتعشق حريتها

GMT 19:34 2020 الخميس ,28 أيار / مايو

حاذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 00:00 2020 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 16:43 2020 الجمعة ,28 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدّاً وقد تلفت أنظار المسؤولين
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon