بقلم - طارق الشناوي
أسعد مكالمة كنت أتلقاها منذ نهاية الثمانينيات وطوال عقد التسعينيات، وحتى مطلع الألفية الثالثة، هى تلك التى كانت تأتينى من درية شرف الدين، أو من مخرج البرنامج يطلب أن أكون ضيفاً على «نادى السينما»، أشهر وأهم برنامج ثقافى فى التليفزيون المصرى طوال تاريخه. وفى اليوم التالى، عندما أذهب لمجلة روزاليوسف أجد المسؤول عن الاستعلامات «عم أبو طالب» يقف بكل توقير للعبد لله وكأننى «جاجارين»، رائد الفضاء الأول!!
البرنامج يستضيف عادة أساطين المهنة، مخرجين مثل سمير سيف وبدرخان وبشارة وداود وخان، ونقاداً بقامات د. رفيق الصبان ومصطفى درويش وسامى السلامونى ورؤوف توفيق وسمير فريد وعلى أبو شادى وكمال رمزى وخيرية البشلاوى وماجدة موريس وغيرهم، نتناقش قبل التسجيل فى الخطوط العامة، حتى نحتفظ بالسخونة والدهشة عند الحديث عن التفاصيل أمام الكاميرا.
علاقتى بالبرنامج كمشاهد بدأت منذ مطلع الثمانينيات، أثناء دراستى بمعهد السينما، كان الفنان الكبير محمود مرسى يحرص وهو يدرّس لنا مادة «حرفية الإخراج» أن يصبح موعد المحاضرة صباح الأحد، حتى يضمن أن كل الطلبة شاهدوا الفيلم مساء السبت، ويعيد مجدداً شرح التكنيك والجماليات، وهو موقن أن ذاكرة الطلبة لا تزال تحتفظ باللقطات، وهو ما يمنح المحاضرة حيوية وتدفقاً.
باءت كل محاولات أسرة البرنامج بالفشل لإقناع محمود مرسى بالحلول ضيفاً، بقدر تقديره للمذيعة والبرنامج، إلا أنه كان يضع حول نفسه سوراً عالياً ممنوعاً اختراقه إعلامياً.
جمع «نادى السينما» بين الشعبية والاحترام، وكأنه المعادل الموضوعى لدرية شرف الدين.
دعونا نفكر معاً.. مَن هى الإعلامية التى من الممكن أن تصبح «ترمومتراً» نقيس به درجة الحرفية والاحتراف؟ قطعاً لا توجد إجابة مطلقة شاملة مانعة، ولكن لدينا مؤكد ما يمكن أن نصفها بهذا «الترمومتر» أقصد درية شرف الدين، هناك قطعاً آخرون فى دوائر مختلفة، ولكنى أتحدث هنا تحديداً عن السينما.
جمعت درية بين قارئة نشرة الأخبار المحايدة، التى ينتظر الناس إطلالتها، وبين مقدمة وأيضاً معدة برنامج ثقافى لها وجهة نظر، أسلوب النقاش الناعم أحد أهم أسباب تفوق درية والعنوان الأكثر وضوحاً لمشوارها الممتد حتى الآن من خلال «ماسبيرو»، فى برنامجها «حديث من مصر».
مشوار درية ممتد، يظل «المانشيت» بلغة الصحافة، و«التريند» بلغة «السوشيال ميديا» هو «نادى السينما»، عنواناً للثقافة الرفيعة وأيضاً الشعبية، جمهور البرنامج يتطلب كحد أدنى القدرة على القراءة باللغة العربية، ورغم ذلك كثيراً ما كنت أجد نفسى فى حوار ممتع مع الراحل عم سيد بائع «الفول الأخضر»، يناقشنى فى فيلم عُرِض بالبرنامج قبل أسبوع، رغم أنه لا يقرأ ولا يكتب، إلا أنه استوعب الأحداث تماماً، بل كان يشير إلى أبعاد أخرى فى الشريط السينمائى، ربما غابت حتى عنى.
فى زمن ما قبل الفضائيات لم تكن الأفلام الأجنبية متوفرة بكثرة، وهكذا جاء «نادى السينما» فى توقيته تماماً، أستطيع أن أضيف قيمة أخرى لهذا البرنامج أنه لعب دوراً تثقيفياً، لكل من عملوا بعد ذلك فى «الفن السابع»، كمبدعين أو نقاد. درية دعمت شغفها بالسينما بالدراسة الأكاديمية، حصلت على الدكتوراه عن الفيلم السياسى، وفى مرحلةٍ ما، أسند إليها وزير الثقافة الفنان فاروق حسنى مسؤولية الرقابة على المصنفات الفنية، لم تمكث طويلاً، كانت هناك العديد من الأعراف ترفضها فى الرقابة يتم التعامل معها ببساطة وفق غطاء شرعى. درية لم تتعامل ببساطة مع هذا الغطاء القانونى، وطلبت إعفاءها من المنصب، ثم تولت فى مرحلة فارقة حقيبة وزارة الإعلام، ثم تولت مهمة رئاسة لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب.
وتعددت المناصب التى صاحبتها فى مشوارها المكلل دوماً بالنجاح، سيظل سابقاً ولاحقاً لكل ذلك أنها الإعلامية القديرة التى صارت نموذجاً يُحتذى بين المذيعات، باعتبارها «الترمومتر».
ولا تزال أعظم تحية أتلقاها فى الشارع، عندما يلتقينى أحدهم، قائلاً: «عرفتك.. أنت فلان الفلانى كنت بشوفك فى نادى السينما»!!.