عولمة الفوضى من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا

عولمة الفوضى... من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا

عولمة الفوضى... من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا

 عمان اليوم -

عولمة الفوضى من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

تكشف أزمة الحوثيين وتهديدُ الملاحة في «باب المندب»، بالتوازي مع اضطراب «هرمز»، وتصاعد الاحتجاجات في فرنسا وإيطاليا ودولٍ أوروبية أخرى، عن اختلال يتجاوزُ الحدودَ الإقليمية لكل أزمة. نحن أمام تفاعلٍ بين تراجع الضبط الدولي الذي كانت تمارسه القوى الكبرى؛ خصوصاً الولايات المتحدة، ومؤسسات المجتمع الدولي على ضعفها، وصعود دول مأزومة ذات مشروعات عابرة لحدودها، وأذرع من الميليشيات والتنظيمات المتطرفة، وتآكل قدرة الحكوماتِ على احتواء التكلفة الاجتماعية للاضطرابات؛ وهو ما يمكن تسميته «عولمة الفوضى». وتتغذَّى هذه الحالة من العدمية لدى قطاعات من الأجيال الجديدة، بفعل تداخل الشخصي والمجتمعي، مع التدفق الهائل للمحتوى المتصل بالقضايا العامة.

تساعدُنا نظرية «الاعتماد المتبادل» على تفسير هذا التحول؛ فقد ربطتِ العولمة استقرار الدول بشبكات التجارة والطاقة والتمويل، ووسَّعت المصالح التي تجعل التعاونَ ضرورة. ولكن هذا الاعتماد لا ينتج الاستقرار تلقائياً؛ فقد يتحول إلى مصدر ضغط حين تتمكن دولة مارقة أو ميليشيا مسلحة من تهديد عقدة استراتيجية في الاقتصاد العالمي. وهنا يحضر «هرمز» و«باب المندب» لاختبار قدرة النظام الدولي على حماية المصالح المشتركة من الابتزاز العسكري والسياسي، وما يخلقه من غلاءٍ وتعطل لتدفق السلع وحالة من اللايقين.

تكشف المقارنة بين الممرين عن اختلاف الفاعلين ووحدة الأثر: تمارس إيرانُ الضغطَ من موقع الدولة المأزومة، بينما تمارسه ميليشيا الحوثي الإرهابية من موقع الجماعة التي اختطفت اليمنَ ومؤسساتِه وموارده. ويقلِّص تزامن الاضطراب البدائل، ويضاعف المخاطر، ليجعل أمن البحر الأحمر والخليج مسألة تتصل مباشرة بالاقتصاد الدولي، وهو ما يغيب عن المقاربات الجزئية للأزمة.

كانت هذه الممرات محمية بإطار يمكن وصفه بـ«الاستقرار بالهيمنة»، الذي يربط انتظامَ الاقتصاد الدولي بوجود قوة كبرى مستعدة لتحمل تكلفة حماية المنافع العامة، وفي مقدمتها أمن الملاحة واستقرار التحالفات. ولا تعني النظرية عدالة النظام، ولكنها تفسر حاجته إلى ضامن يمتلك القدرة والإرادة. والأزمة الراهنة، في تقديري، تتصل باتساع الفجوة بين امتلاك الولايات المتحدة أدوات القوة وتراجع استعدادها لتقديم التزام مستقر يبني الحلفاء سياساتهم عليه.

من هنا نفهم التردد الأميركي والانكفاء عن الشرق الأوسط؛ وهو لا يعني بالضرورة تقليص الانتشار العسكري؛ بل التخلي عن وظيفة الضامن الذي يربط استخدام القوة بقواعد وتسويات والتزامات ممتدة. فما نراه تدخلاً عسكرياً مؤقتاً، تمَّ التعامل مع نتائجه بوصفها قضايا تخص الدول ذاتها.

لم تبدأ التحولات مع ترمب؛ فقد سبقتها انتقائية كبيرة في تطبيق القانون الدولي، ومثال غزة أكبر دليل كما هو الشأن في الحروب التي هشَّمت الدول ومنها حرب العراق، أو في المقاربات المتناقضة ومنها ملفُ إيران، والتي رسخت سلطة التنظيمات والميليشيات المسلحة، غير أنَّ النهج القائم على شخصنة العلاقات يعمق أزمة صدقية الالتزام، ويدفع الدول إلى التحوط، ويضعف العمل الجماعي، ويوسع فرص القوى التي تختبر حدود النظام.

ما يحدث في فرنسا وإيطاليا ليس بعيداً عن اضطرابات الشرق الأوسط؛ فالضغوط الخارجية تفاقم الاختلالات الداخلية. وللاحتجاجات أسبابها المستقلة في المعيشة والخدمات والتعليم والسكن، ولكن السياق الدولي ضاعف من الأزمة ويشي بتفاقمها، وقد أقر البيان الفرنسي الإيطالي المشترك بارتباط أزمة الطاقة بأوضاع الشرق الأوسط، بينما عكست الاحتجاجات تراكم مطالب اجتماعية متعددة وفشل في ملفات كثيرة ومنها الهجرة، كما أن هناك أزمة كبيرة تتمثل في ضيق هوامش الحكومات الأوروبية بين مطالب متعاظمة وموارد محدودة، وحاجة إلى إنفاق أمني كبير، في ظل الحرب في أوكرانيا. وهنا تتدخل القوى الشعبوية والأحزاب الانتهازية، لتقدم العزلة القومية حلاً لأزمات عجزت الحكومات عن معالجتها.

الفارق كبير بالطبع؛ حيث تمتلك المؤسسات الأوروبية آلياتٍ للمساءلة وتداول السلطة وتصحيح السياسات، بينما تبقى الدول الفاشلة أو الأسيرة للميليشيا في أزمة مستدامة؛ لأنَّها تستبدل بالولاءِ الوطني الولاءَ للآيديولوجيا. وفي الحالة الحوثية، يصبح التعطيل مصدر قوة، فبعد الفشل في تقديم نموذج حكم قابل للحياة، تفرض الميليشيا حضورها بالهيمنة داخلياً، وتعطيل المصالح الحيوية خارجياً، والارتهان لمحور التأزيم الذي تتزعَّمه طهران.

مواجهة عولمة الفوضى تقتضي دعمَ دول الاعتدال ومشروعها، لحماية الاستقرار واستعادة الدولة، وفي مقدمتها السعودية التي تتصدر اليومَ حل أزمة الإقليم والعالم، من خلال اليمن؛ لأنها حملت على عاتقها استعادة الشرعية والدولة اليمنية المختطفة، وردع قدرة الميليشيا على ابتزاز الجميع؛ بل وحماية الممرات الدولية من الارتهان للمشروع الإيراني.

باختصار: نحن اليوم أمام «فسطاطين» لا ثالث لهما: فسطاط الميليشيات، وفسطاط الدولة. وكل تردد في دعم الدولة يمنح الميليشيات فرصة لترسيخ سلطتها وتوسيع تهديدها، ويجعل تكلفة مواجهتها لاحقاً أشدَّ على الجميع.

omantoday

GMT 14:24 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هوبز وفيبر أم نوّاف الموسوي؟

GMT 14:22 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ثلاثة انتخابات عجيبة

GMT 14:20 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصر... «مسافة السكة» وعد حق

GMT 14:16 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

العراق والسعي نحو استقرار المنطقة

GMT 14:15 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

بين أوديسة وأوديسا يجوع العالم

GMT 14:13 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

فلسطين في ذاكرة الليبيين

GMT 14:11 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

درءاً لرياح السوء

GMT 14:08 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

دعوة جميلة من الأزهر... لكن العقبة إيران

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عولمة الفوضى من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا عولمة الفوضى من ميليشيا الحوثي إلى أوروبا



الفستان الأبيض بديل الاختيارات الداكنة في سهرات الخريف

القاهرة - عُمان اليوم
 عمان اليوم - صيحة الأزياء القصيرة تخطف انتباه النجمات في مهرجان الجونة

GMT 13:41 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

ماكرون يتهم اليسار المتطرف بتنظيم أعمال الشغب في فرنسا
 عمان اليوم - ماكرون يتهم اليسار المتطرف بتنظيم أعمال الشغب في فرنسا

GMT 22:59 2019 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

اهتمامات الصحف الليبية الأحد

GMT 16:04 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 12:27 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

السعودية تستضيف نزال الملاكمة الأهم هذا العام

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon