برلين زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

 عمان اليوم -

برلين زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

إميل أمين
بقلم - إميل أمين

وسط ضجيج المعارك في الشرق الأوسط والخليج العربي، وما تثيره إيران من موجات الكراهية، يبدو أن هناك صراعات جيوسياسية أخرى تجري بها المقادير حول العالم، وإن بهدوء وتؤدة، من غير رايات فاقعة أو أصوات زاعقة.

في القلب من مشاهد إعادة ترتيب أوراق الدومينو العالمية، تبدو ألمانيا، كعنقاء قادمة من رماد كثيف ورقاد طويل، كأنها تسعى لتعود رقماً صعباً في المعادلة الأوروبية الأمنية والاقتصادية تارة، وعلى الصعيد العالمي تارة أخرى.

في هذا السياق، يمكن قراءة جولات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، على أنها إعادة اكتشاف لموقع وموضع برلين على الخريطة الأممية، ويبدو في ظاهر الأمر أن هناك مقاربة تجري بين العلاقات مع واشنطن وبكين، وكيفية تعظيم الاستفادة، من دون الدخول في مراحل الصدام في الزحام، أو الاحتكاك في الظلام.

هنا يمكن للمحلل السياسي المحقق والمدقق أن يضع تحت المنظار جولتين قام بها ميرتس، الأولى في فبراير (شباط) المنصرم إلى الصين، والأخرى إلى الولايات المتحدة في مارس (آذار) الحالي.

لماذا واشنطن وبكين؟

الجواب يسير، الأولى هي القوة القطبية القائمة، والثانية هي المرشحة لطريق السطوة الأممية القادمة، وبينهما يكاد العالم ينقسم انقساماً حدياً.

لعقود طوال، كانت الولايات المتحدة، الضامن الرئيس للأمن الأوروبي، وقد لعبت القواعد الأميركية في ألمانيا، كحجر زاوية في هذا الإطار، لا سيما أنها وفرت المظلة النووية لأوروبا، حين كان الاتحاد السوفياتي مهدداً رئيساً طوال أزمنة الحرب الباردة.

غير أنه مع الإدارة الثانية للرئيس ترمب، تتغير الأوضاع وتتبدل، وتبقى مسألة التحالف الكاثوليكي الألماني الأميركي مشكوكاً فيها، لكن لا يمكن الاستغناء عنها.

أما الصين، فقد كانت رهاناً أوروبياً كبيراً، عالياً وغالياً، لعموم القارة، وليس لألمانيا فحسب، لكن هذا النموذج، والذي كادت بعض القوى الأوروبية، مثل إيطاليا، تنظر إليه بطوباوية كبيرة، قد تعرض لفالق شديد القسوة، حين تبدت هشاشة النظام الصيني من خلال أزمة فيروس «كوفيد» المستجد.

غير أن السياسة الدولية لا تعرف في طبيعتها الأبيض والأسود؛ إذ توجد عشرات الدرجات من الألوان الرمادية، فلا صديق دائم ولا عدو إلى المنتهى.

يتساءل المراقبون: ما الذي كان وراء زيارة ميرتس إلى الصين؟

مؤكدٌ بدايةً أنها زيارة تتسق وما تدعو إليه ألمانيا عبر دبلوماسية «تقليل المخاطر»؛ فهي على الرغم من أنها تسعى للحد من اعتمادها على الصين، فإنها في الوقت نفسه تسعى لتهيئة الظروف التي تسمح للشركات الألمانية بالاستفادة من السوق الصينية.

والشاهد أن برلين اليوم، تبقى في وضع متوسط بين واشنطن وبكين، فمن جهة مقاربتها عسكرياً بواشنطن، تظهر كأنها لا تضارع القوة العسكرية الأميركية، والتي تعد الترسانة الأولى حول الكوكب، ومن ناحية مقارنتها ببكين اقتصادياً، تبقى المسافة واسعة وشاسعة، رغم أنها تحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي.

ولعل من نافلة القول أن نظرة ميرتس لشرق آسيا، تبدو مشوبة بتعقيدات جيوسياسية، ومع ذلك فإن المهارة الألمانية لا تتجلى في الصناعات المتقدمة فحسب، بل تتضح في كيفية نسج الخيوط، ومد الخطوط بين برلين وأكثر من قطب آسيوي لا سيما طوكيو.

ليس خافياً على أحد، أن ألمانيا قد خسرت وزنة وازنة منذ الحرب الروسية في أوكرانيا، فقد تضرر الاقتصاد الألماني الذي كان يعتمد على الغاز الطبيعي الروسي بشدة جراء الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا منذ أربع سنوات.

كانت سنوات المستشارة ميركل سنوات من «الفوز الوحيد» لألمانيا بين دول أوروبا، لكن تبعات الحرب والموقف الألماني جعلها تعاني من بطء النمو في حاضرات أيامنا.

في الوقت نفسه، يخشى ميرتس من أن تراجعاً اقتصادياً مؤثراً في الداخل الألماني يفتح الباب واسعاً لصعود حزب «البديل» اليميني المتطرف.

زيارة ميرتس لترمب أوضحت كيف أن الرجل يعمل جاهداً عبر استراتيجية كسب الوقت، والحفاظ على العلاقات الودية مع واشنطن، حتى لو على المدى القصير زمنياً، بهدف خلق حالة من الاستقرار في بلاده، مع الاستعداد للتغيرات الهيكلية طويلة الأجل، بعد انجلاء الضبابية المحلقة فوق كل الرؤوس شرقاً وغرباً.

يدرك ميرتس، وبعين زرقاء اليمامة، أن القيصر يجلس بعيداً في الكرملين، ويراقب الجميع، ولهذا يبدو التحالف الأمني والعسكري مع واشنطن استراتيجياً، والعلاقات التجارية والاقتصادية مع بكين جوهرية.

إنها السياسة الدولية وأزمنة الغزل على المتناقضات الوجودية.

omantoday

GMT 19:25 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

عوّاد

GMT 19:22 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ

GMT 19:17 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

العراق والميليشيات الولائية

GMT 19:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

الماءُ والرُّوَّاد

GMT 01:56 2026 الجمعة ,27 آذار/ مارس

مصادفات باكستان

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

برلين زمن التوازنات بين واشنطن وبكين برلين زمن التوازنات بين واشنطن وبكين



إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - عُمان اليوم

GMT 06:18 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 08:37 2020 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم الجمعة 30 أكتوبر / تشرين الأول لبرج الحمل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

omantoday Omantoday Omantoday Omantoday
omantoday omantoday omantoday
omantoday

Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh, Beirut- Lebanon.

Beirut Beirut Lebanon