بقلم - سوسن الأبطح
الوقائع الدامغة تكذّب وعود إيلون ماسك الخنفشارية، التي يكررها على مسامعنا، بأننا سنصبح مجرد مخلوقات تتنزه على سطح الكوكب بلا حاجة لعمل ولا جهد ولا مال، وأن الروبوتات الماهرة ستحل مكاننا، في غضون سنوات، وتقوم بكل مهماتنا، بينما نعيش بلا وظيفة ولا غاية.
التخبط يسود سوق العمل، لأن التوقعات أمر، والنتائج تأتي بشيء آخر. بعد تسريح عشرات آلاف الموظفين، طمعاً في استبدال الآلات بهم، تجد الشركات الكبرى نفسها في ورطة، وقد خسرت الكادرات التي تعبت في تأهيلها، ولم تنجح الروبوتات في سد الفراغ، واضطرت لأن تعيد التوظيف والهيكلة وتستقطب مواهب جديدة.
هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي لن يقلل عدد الوظائف، لكن الحماسة الزائدة، والتباهي المبالغ فيه في الاستغناء عن خدمات البشر، والتسرع في الطرد، كل ذلك أحدث فجوة ستكون إعادة ردمها مكلفة ومربكة، اقتصادياً وإنسانياً.
شركات التكنولوجيا الأميركية سرحت 140 ألف موظف في النصف الأول من عام 2026 وحده، رغبة في التوفير. «إكس» أقالت 80 في المائة من موظفيها، لكن تبين أن الذكاء الاصطناعي يقوم بجزء غير مكتمل من العمل أو أنه سريع جداً، بحيث يحتاج باستمرار إلى مَن يراقب ويضبط نتائج عمله، وهو ما يحتاج إلى مهارات بشرية.
الشركات لم تعطِ نفسها الوقت الكافي لتجريب ما يستطيعه الذكاء الاصطناعي، واستعجلت الاعتماد عليه، فخسرت كفاءة مَن سرحتهم، وثقة مَن أبقتهم، واستدعت غضب زبائنها الذين تذمروا من أخطاء متكررة، ومعاملة آلية غير مثمرة، وتعقيدات مستجدة. بالنتيجة نصف هذه المؤسسات تعيد التوظيف تحت عناوين ومسميات جديدة كي لا يرتبط سلوكها بإخفاق أو خفة في القرارات.
وعلى عكس المدارس في دول أوروبية عديدة مثل فنلندا وإيطاليا التي اعترفت بخطأ استعجالها في الركون إلى الشاشات، وتعود إلى القلم والورقة، معترفة جهراً، ودافعة ثمن التخلي عن الطرق التقليدية، قبل اختبار الأساليب اللوحية الإلكترونية، فإن الشركات الكبرى تداري أخطاءها بصمت وتستر. لا أحد يريد أن يعترف بأن طرد عشرات الآلاف من الموظفين والرهان على الآلة لبناء المستقبل، كان مجرد أحلام لم تتحقق بالسرعة المبتغاة. بعد إقالات جماعية، «آي بي إم» و«فورد» تعودان لاستقطاب مواهب ماهرة شابة، في وظائف تم تغيير مسمياتها، بينما بقيت المهمات هي نفسها.
اليابان من بين الأذكى في المصالحة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. لا يفوت الزائر للبلاد أن الاعتماد على الآلة كثيف وكاسح في كل المجالات، في وسائل النقل، والبنوك، وأصغر المهمات المنزلية، لكن الإنسان حاضر بقوة هو الآخر. بقرب الجهاز الذي تشتري منه بطاقة السفر، أو تستخدمه لعبور نقطة التفتيش، ستجد دائماً موظفاً لطيفاً جاهزاً لمساعدتك. وإن ذهبت لتبديل العملة، يقف بقربك شخص يعينك، إن تعثرت معاملتك. بينما في القطارات ومحطات الأنفاق والمتاجر الأوروبية، وكلها أقل مكننة وذكاء من مثيلتها اليابانية، تقف وسط الزحام، من دون مخلوق قادر على إكمال مساعدتك إن خذلك الجهاز. ثمة اعتراف بأن الانعكاسات الاقتصادية لغياب الإنسان في أماكن العمل باتت ملموسة، والإجراءات حثيثة لإعادة وصل ما انقطع، لكن التكاليف المالية ليست بقليلة، كما الصدمات المهنية لدى الموظفين وأرباب العمل معاً. ربحت اليابان الرهان حين استخدمت الروبوتات في المستشفيات ودور رعاية المسنين، لمساعدة الممرضين والعاملين والتخفيف عنهم في مهماتهم الصعبة نفسياً وعاطفياً، لا لاستبدالهم وتركهم للفاقة. هكذا منحت اليابان الخدمات الآلية بُعدها الإنساني الأخلاقي، بدل استخدامها كوسيلة للطعن بالعاملين الكادحين والاستغناء الفج عن خدماتهم، بحجة أن مدة صلاحيتهم قد انتهت، أو أن مهاراتهم تنتمي إلى القرن الماضي. ونجحت الصين جزئياً في اختبار حفظ التوازن، وخوض تجربة الأتمتة رغم مصانعها الآلية كلياً، إلا أنها أبقت على الإنسان في التوصيل والخدمات والرعاية، وهي تقوم بمراجعات سريعة في كل مجال يبدو فيه أن الآلة تطغى وتفيض.
في أميركا ليست وحدها «ميتا» و«كلارنا» و«أمازون» هي التي طردت موظفيها وتجد أنها تسرعت، بل متاجر «وول مارت» و«تارغت» وغيرهما، تخلت عن الكاشير الآلي، وظنت أن الاستغناء عنه ضرورة، وها هي ترجع إلى مهارات البشر.
نحن في مرحلة الاستفاقة من نشوة وعود الذكاء الاصطناعي لفهم قدراته وإمكاناته، والطرق المثلى للاستفادة منه، بدل الغرق في دعايات ترويجية تعد ولا تفي، وتتحدث عما لم تتأكد منه بعد.
صاحب «نوبل» في الرياضيات سير روجر بنروز يحتج لأن تسمية «الذكاء الاصطناعي» مراوغة، ومنحته لدى مستخدميه وجهاً ليس له في الأصل. فالذكاء الحقيقي يتسم بالعمق والوعي. أما القوة الحاسوبية الضخمة للروبوتات التي أسكرت البشر، فهي ليست ذكاءً بالمعنى الإنساني الذي نعرفه ونخبره كل يوم. هي أجهزة تفهم القوانين، وتطبق المعادلات وتولد النصوص، وتنفذ الأوامر، لكنها لا تمتلك الإدراك والحساسية. لذا فهي أنظمة لا تستحق مفردة «ذكاء»، ويقترح بدلاً من ذلك أن يطلق عليها: «البراعة الاصطناعية». وهو ما يعطي مستخدمها القدرة على التعامل معها كأداة لا كصديق أو شريك كامل الإنسانية.