بقلم - عبد اللطيف المناوي
تنطلق اليوم فى القاهرة قمة الصلب العربى التاسعة عشرة، التى ينظمها الاتحاد العربى للحديد والصلب برئاسة المهندس أحمد عز. وهى مناسبة تستحق التوقف أمام أهمية المبادرة الفردية والقطاع الخاص فى بناء الصناعة الوطنية، والانتقال بها من تلبية احتياجات السوق المحلية إلى امتلاك حضور مؤثر خارج الحدود. ولأن اسم أحمد عز يستدعى السياسة عند كثيرين، أجد من الضرورى أن أبدأ بتوضيح شخصى. أعرف الرجل منذ سنوات طويلة، تعود على ما أذكر إلى بدايات اهتمامه بالحضور السياسى، ثم صعوده القوى الذى بلغ مداه فى انتخابات مجلس الشعب عام ٢٠١٠، وما ارتبط بها من تداعيات سبقت أحداث يناير. كنت ممن اعتبروا تلك الانتخابات أحد العوامل الأساسية التى مهدت للانفجار، بما أحدثته من شعور بانسداد المجال السياسى. وحمّلت أحمد عز مسؤولية كبيرة، فى كتابى «الأيام الأخيرة لمبارك»، وفيما كتبته وصرحت به لاحقًا. وأذكر ذلك لأن الإنصاف يقتضى أن يكون القارئ على علم بالموقف الذى انطلقت منه. لكن أتيحت لى بعد ذلك جلسات طويلة جدًا معه، تحدث فيها بصراحة وقلب مفتوح، ووجدت أمامى عقلًا يقبل النقد والجدل. استمعت إلى رواية أخرى عن الوقائع، ورؤية مختلفة للأدوار والقرارات وحدود المسؤوليات. وأعترف بأننى أصبحت مستعدًا لمراجعة كثير من القضايا التى تعاملت معها سابقًا باعتبارها مُسلّمات.
وأصبحت أرى أن اختزال مسؤولية مرحلة كاملة فى شخصه يستحق مراجعة جادة، فقد تحوّل، فى تقديرى، إلى كبش فداء إلى حد كبير، حُمّل أوزار منظومة أوسع. وسيأتى وقت أقدم فيه هذه المراجعة، بما تحتاجه من تدقيق ومقارنة للروايات والوقائع. أما اليوم، فالمناسبة صناعية، وللرجل حق فى تقدير ما أنجزه فيها.
والأرقام تمنح هذا التقدير أساسًا موضوعيًا. فبحسب بيانات «حديد عز»، تبلغ طاقتها الإنتاجية سبعة ملايين طن سنويًا من منتجات الصلب، وتنتج أكثر من ٤٥٠ نوعية لتلبية استخدامات ومواصفات مختلفة. والطاقة الإنتاجية، بالطبع، تختلف عن الإنتاج الفعلى الذى يتغير وفق ظروف التشغيل والأسواق. كما أعلنت الشركة بلوغ صادراتها نحو ١.٥٨٤ مليار دولار عام ٢٠٢٣، وهذه قيمة تعكس قدرة منتج مصنوع فى مصر على المنافسة خارجها.
وراء هذه النتائج تتراكم استثمارات وخبرات هندسية وإدارية، وعمل آلاف الأشخاص. وتلك هى القيمة الأوسع للمبادرة الفردية عندما تنجح، أن تتحول إلى مؤسسة إنتاجية يتجاوز أثرها صاحبها. وحين نطلب من المستثمر المصرى أن يغامر بأمواله فى الصناعة، وأن يصبر على عائدها، وأن يواجه منافسة دولية شرسة، فإن علينا أيضًا أن نمتلك القدرة على الاعتراف بنجاحه. فالتقدير المنصف جزء من المناخ الذى يشجع آخرين على خوض التجربة نفسها، وبناء مؤسسات جديدة تضيف إلى قدرات البلاد.
اليوم، يستحق أحمد عز الاعتراف بدوره فى بناء قدرة صناعية مصرية لها حضور خارجى. ويستحق القطاع الخاص أن نقرأ تجاربه بميزان الإنتاج والتشغيل والتطوير.. أما تجربته السياسية، وما لى عليها وما قد أراجعه فيها، فلها وقت آخر.